من ملامح مدرسة الشيخ الشاذلي .. الإحياء الإسلامي (3)

بقلم مدحت القصراوي | 11 أكتوبر, 2016

(لم يكن المقصود أن يكوّن فرقة كلامية عقدية، بل أن يحل ألغاما عقدية في المفاهيم لتأخذ الأمة الموقف الصحيح الذي تمليه عليها عقيدتها، فلا يكون الشأن شأن حماسة عابرة بل شأن عقدي مرتبط بأصل الدين وأصل الإسلام وحقيقة الإيمان؛ لا للوقوف على ترديد المفاهيم أو الاتجاه نحو الأحكام على الناس؛ بل لتكون المفاهيم جزءا من عملية إحياء شاملة تأخذ فيها مشاعر الإيمان ودفقة الروح التيار الدافق، وتأخذ المفاهيم دور تحديد الاتجاه، لتواجه الأمة عدوها وتُعيد صياغة حياتها..)

كما أن المقصود الأصلي هو إقامة الحياة واستئنافها على مقتضى شريعة الله تعالى وقوانينه وقيمه وموازينه، ولهذا فلا بد من بيان علاقة العقيدة بالشريعة ليقرر الناس أن حياتهم على وفق ومقتضى الشريعة هو مقتضى العقيدة ولازمها.. أما مجرد الاستحسان مع عدم الوضوح العقدي فهذا يؤُول الى قبول الشبهات والتخلي عن الشريعة والمنهج عند أقل عائق أو أدنى شبهة..

كان البيان العلمي خادما لحركةٍ وإحياءٍ وتوجهٍ شعبي مطلوب تفعيله، لا للانعزال والتقوقع؛ فقد كانت الأمة نصب عينه.. وأما تبديل الشرائع وغيره من ظواهر الشرك فكان يؤكد أن هذا يجب ألا يتعدى كونه ظواهر يجب أن تواجَه، وأنظمةً علمانية مفتقدة للشرعية يجب أن تحدد الأمة موقفها منها وتُسقط شرعيتها من خلال موقف عقدي هو مقتضى ولازم (لا اله إلا الله).. وعلى هذا فلا تكون المخاصمة مع الأمة بل مع عدونا وعدوها..

وأن الأمة هي أمتنا، وأنه يجب أن نواجه بها عدوها لا أن نواجهها هي، يجب أن نعلو بها لا أن نعلو عليها، نحن جزء منها لا بديل عنها، يجب أن نحرص على مقدراتها وأن نحميها من عدوها وممن يسرقونها ويهدرون مقدراتها..

يجب أن نواجه بها عدوها التاريخي الصليبي الصهيوني، إذ إن الأنظمة العلمانية هي مخلب قط لهذا العدو التاريخي، ولهذا فلا بد من الوعي السياسي مع الوعي العقدي، ووضوح هذا للأمة.. وهذا يوجب وجود قوة شعبية ونشر الوعي والتلاحم مع الأمة..

وأن الفارق الهائل للقوة الحضارية والعلمية بين المسلمين وبين الغرب يمثل تحدّيا لا بد من النجاح فيه واجتيازه، فقد أصبح قضية وجود لحماية المسلمين، وأن الحركة الإسلامية لا بد أن تضع في حسبانها أن امتلاك القوة وتوفير الخبرات اللازمة للأمة أمر حاسم ومصيري.. وأن قوة الدولة وحفظ مقدراتها أمر مهم لأنه الحامي لإقامة الشريعة والممكِّن لها وإلا فالضعف يجعل أصحابه عاجزين عن إقامة الدين والشريعة.

كما لا بد من تصور للدولة المسلمة الحديثة، وهي الدولة العصرية القائمة بالشريعة، ولا بد من نموذج تستهدفه، وكان ينوّه كثيرا بنموذج دولة الأندلس من حيث إقامة الشريعة والتسامح والقوة العلمية والتقدم ـ مع تجنب سلبياتها من التفرق وغيره.

بل كان يتهم من لا يبحث في إقامة الدولة وبرامجها والبحث في اجتهادات تطبيق الشريعة وإقامتها ولا ينظر للقضايا والألغام الشرعية التي تعوق دون ذلك، كالأقليات وازدواج القوانين، وإقامة الحدود، مع الحالة الأخلاقية والتردي المعيشي.. والعوائق الاستراتيجية كحصار المسلمين مائيا وضعفهم وتخلفهم وغير ذلك.. كان يتهم من لا يدخل في الاهتمام بهذه القضايا بأنه مزايد في مطالبته بالشريعة وغير جاد بل هي لافتات عامة تحتها خواء إذ يتحجج أصحابها بـ (عدم استنبات البذور في الهواء) على التكاسل وعدم الجدية في امتلاك الخبرات وجاهزية الحركة.

ولهذا فقد أوضح ـ باهتمام ـ الفرق بين كلمة الأستاذ سيد قطب رحمه الله بعدم عرض تفصيلات الشريعة على الأوضاع الجاهلية أو الأنظمة العلمانية لتوافق أو ترفض واعتبار موافقتهم على بعض الجزئيات تطبيقا للشريعة.. فقال الشيخ أن هذا أمر ـ وهو مرفوض كما قال الأستاذ سيد قطب ـ وأما ما يقول به الشيخ فهو أمر آخر وهو جدية أخذ الأمر واكتساب الخبرات وامتلاك الحركة لأجنداتها هي، والجاهزية الإسلامية لقيادة الأمة وإنقاذها، فترى الأمة في الحركة الإسلامية خير الدين والدنيا..

 كان يريد للحركة الإسلامية أن يكون لها مسعاها لإحياء الأمة، وتأخذ على عاتقها إخراج رجال دولة مؤمنين، ومتخصصين في مجالاتهم؛ انتماؤهم لدينهم وبلدهم وأمتهم عميق، وتفوقهم في تخصصاتهم يؤهلهم لإخراج الأمة من أزمتها التاريخية..

لم يكن يسعى ليكون شيخا يقف عند حدود ترديد العقائد الموروثة فقط ـ ولا غضاضة في هذا بل هو أمر محمود لمن أحسنه ـ إنما كان يسعى بهذه العقائد، كعقيدة حية، لإنقاذ الأمة وإخراجها من النفق المظلم الذي تعيشه ويخرجها من أزمتها التاريخية، وعودتها الى دينها وشرعيتها المستقرة..

دور الأمة عنده واضح في التغيير وبعد التمكين؛ فلا تكون قضايا الشريعة والتنمية للخواص ولا للحركة الإسلامية ولا لجماعات بعينها بل يجب أن تكون قضية أمة، ويكون للأمة دورها في إدارة بلادها وحياتها من خلال الشورى الملزمة والتمثيل الحقيقي للأمة من خلال المجالس الشورية..

التسامح والتلاحم والحسم والتدرج ووضوح الهدف الإستراتيجي مع الثبات على المبدأ مع المرونة اللائقة التي تضمن حماية المسلمين وتجنب مخاطر كل مرحلة وحماية الأمة من الضربات القاتلة.. مع السعي الحثيث لامتلاك الأمة من القوة ما تمتنع به على العدو حتى ييأس من إبادتها واستباحة حرماتها..

لم يكن فقط شيخا؛ بل كان (رجل أمة) بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولو عاش في جو من الحرية واحترام حقوق الناس لاستفادت به البلاد كثيرا على اختلاف أطيافها.. لكنها آفة الاستبداد والحصار التي تمنع الأمة من خبرات نادرة ومن حماسة وجهد الرموز الذين يمتلكون نقاء وانتماء عميقا..

ثمة رموز لا جرح لهم إلا الجرح العام ولاهَمّ لهم إلا الهَمّ العام ولا شاغل لهم إلا حاجة أمتهم وموقعها وأزماتها..

نعم هؤلاء قوم عاشوا بيننا لكن احتوشتهم أنياب ونفوس.. وعند الله تجتمع الخصوم ونسأل الله تعالى أن يخلف على أمتنا بالخير وأن يبارك في أثره وأن يتقبل منه وأن يرفع درجاته.. وأن تحسن الحركة الإسلامية تلقي علمه وإرثه بنفوس متصالحة ومتفتحة.. وعلى الله قصد السبيل.