من ملامح مدرسة الشيخ الشاذلي .. الإحياء الإسلامي (2)

بقلم مدحت القصراوي | 11 أكتوبر, 2016

كان موقف الأستاذ سيد قطب رحمه الله هو  بيان المفاهيم الحاسمة للأمر، امتدادا لرسائل البنا رحمه الله حول معركة المصحف، وامتدادا لما أوضحه المودودي رحمه الله، وأوضح المفاهيم الشرعية الحاسمة في هذا الشأن بعيدا عن علم الكلام والخلل الموروث..

كان بيان سيد قطب رحمه الله مباشرا من نصوص القرآن، ولما اعترض البعض بسبب الاستمداد المباشر من النصوص على أنه فهم خاص وأنه تضخيم (لفكرة) الحاكمية! ولم يفرقوا بين ما ادعاه الخوارج بجهلهم وانحرافهم وبين قضية الحاكمية بمعنى التشريع وقبول الأحكام، وغلا البعض ففهم أن المقصود تكفير الأمة..

عندئذ كان للشيخ الشاذلي دوره في التأصيل وبيان القضية من وجه آخر وهو كلام السلف ونصوصهم والعقيدة الموروثة والقواعد الأصولية الحاكمة، ليضبط الأمر بين الغلو والإرجاء، بين الإفراط والتفريط، ويوضح الموقف من تبديل الشرائع وإسقاط الهوية.

قام الشيخ رحمه الله بأربعة أدوار في غاية الأهمية، وفي كل دور لم يكن يكمل معه الجميع، بل توقف بعضهم عند بعض المراحل..

فأوضح جانبَ العقيدة وحرّرها، معتمدا مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، على أنها التبر الخالص في مذهب أهل السنة والسلف بعد دخول علم الكلام بآفاته، وهنا كان رفقاء الإخوان زمن المحنة وبعدها؛ رفضوا هذا التقرير وغلبت المفاهيم العامة والغائمة بما تحمل من جراثيم الإرجاء وما تضمن من مرونة مفرطة!

وفي هذا البيان عمد الى توسيع دائرة الاتفاق فأشار الى مرجئة الفقهاء (مدرسة الإمام أبي حنيفة) وأشاعرة السنة الموافقين للنصوص، وكرامية السنة.. وأوضح أن هؤلاء داخلون في مسمى أهل السنة، ونقل عنهم واستدل بما قرروه موافقا للنصوص..

وقرر أن ما علق ببعض العلماء من عقائد كلامية بما يقْرُب ولا يباعد عن مقررات أهل السنة لا يخرجهم من هذا المسمى، واستدل بكلامهم.. وهنا عارضه من ينتمي لمدارس معينة يريد أن ينأى بجهد الحركة الإسلامية الى قضايا غير قضايا إنقاذ الأمة.. ومع بيان العقيدة تكلم عن خطوط رئيسية لمنهج التربية الإسلامية، وقرأ التاريخ قراءة كلية وعامة لاستخراج عبرة التاريخ وتلقِي دروس لإحياء الأمة في الحركة المعاصرة، وليس للانغماس في التاريخ وأحداثه.

وقام بدور ثانٍ وهو بيان طرق إجراء الأحكام على المكلفين واعتبار مقاصد حفظ الأمة وعدم تعميم أحكام المبدلين وجريمة التبديل على عموم الأمة، وقرر أن الأصل في عموم المسلمين اليوم هو الإسلام، وأن هذه هي أمتنا، وأننا نثبت لها امتداد الوجود التاريخي وأن غياب الوجود الشرعي ومؤسساته لا يعني تكفير الأمة بل يعني العمل بها ومعها لاستعادة هذا الوجود.

ومن فهِم الكلام في العقيدة ولم يفهم تلك القواعد قد يُجري الأحكام على هواه وبلا ضوابط فيغلو في الأحكام، وقد حدث..! وأدى هذا الى تكون مجموعات تحمل مفاهيم عقدية لكنها تحمل حواجز دون الأمة تمنع من الانتشار بينها وإحيائها وتمنع تبنّي قضاياها، وتدخل في قضايا بعيدة تماما عن قضايا إحياء وبعث الأمة الى قضايا جزئية جدا..

ثم قام بدور ثالث في بيان القواعد الشرعية الحاكمة للعمل السياسي ـ من الحكم الشرعي والسياسة الشرعية والهدي النبوي ـ في هذه الأوضاع الاستثنائية لتواجد المسلمين في القرارات السيادية وحمايتهم وتمثيل مصالحهم وتقرير عدم إمكان تجاوزهم.. كمرحلة في أثناء كفاح المسلمين وعملهم المتواصل في مراحل، للوصول الى الشرعية المستقرة بإقامة الشريعة وسيادتها وتحقيق شورى الأمة..

ثم قام بدور رابع في الولوج الى الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والقضايا الاستراتيجية، ونبه الى أهمية وجود مراكز دراسات للمسلمين، وبيوت خبرة للتنمية والخروج من التخلف..

لم يكن المقصود أن يكوّن فرقة كلامية عقدية، بل أن يحل ألغاما عقدية في المفاهيم لتأخذ الأمة الموقف الصحيح الذي تمليه عليها عقيدتها، فلا يكون الشأن شأن حماسة عابرة بل شأن عقدي مرتبط بأصل الدين وأصل الإسلام وحقيقة الإيمان؛ لا للوقوف على ترديد المفاهيم أو الاتجاه نحو الأحكام على الناس؛ بل لتكون المفاهيم جزءا من عملية إحياء شاملة تأخذ فيها مشاعر الإيمان ودفقة الروح التيار الدافق، وتأخذ المفاهيم دور تحديد الاتجا، لتواجه الأمة عدوها وتُعيد صياغة حياتها..