تصحيح المفاهيم بالنسبة للخطاب الفردي والجماعي

7 أغسطس, 2015

الخطاب عمومًا في الكتاب والسنة نوعان: خطابٌ فرديّ وخطابٌ جماعيّ([1]).

1ـ الخطاب الفردي

وهذا يعتبر فيه الفرد هو الأصل، ولغةً لا يعمم، لأنه غير قابل للتعميم، وأمّا عُرفًا وشرعًا فيُنظر؛ فإذا قبل الاطراد والتعميم يُعمّم حكمه كأفراد في حالة التكليف الشرعي على اساس قاعدة: «حكمي لرجل كحكمي لسائر الرجال، وحكمي لامرأة كحكمي لسائر النساء، والنساء شقائق الرجال»، ولكن لا يطّرد حكمه للهيئة الجماعية؛ لأنّ الهيئة الاجتماعية في هذه الحالة ليس لها دور، فإنْ لم يقبل الاطّراد والتعميم أو فَحُشَ عند التعميم بقي على أصله من اللغة.

فقوله صلى الله عليه وسلم:«وإنْ ضرب ظهرك وأخذ مالك» لم يأتِ- في أي نصّ آخر أو رواية ولو ضعيفة أو موضوعة - بصيغة الجمع، فلم يقُل: صلى الله عليه وسلم وإنْضرب ظهوركم وأخذ أموالكم، وكذلك قوله: «فضع رقبتك على السيف وقُل دمي دون ديني»، فهذا خطاب فردي ويجب أن يبقى كذلك، فلا يصحّ تعميمه، ولم يأتِ بصيغة جماعية في أي نصّ آخر ولو ضعيفًا أو موضوعًا. فقد جاء الخطاب فرديّا ويجب أن يبقى كذلك، ولو جُعل خطابًا جماعيّا للأمة لم يصحّ ولم يطّرد بل يفحُش ـ كما قال الطبري ـ وتصير الأمة ضحكة لسائر الأمم، ولاصطدم مع النصوص الأخرى الكثيرة التي تقضي بعزة الأمة والنهي عن العجز، والأمة فيها ـكذلك يجب ـ من التعاون والتعاضد ما يمنع هذا،فهو يجوز للفرد ويصلح له كحالة استضعاف، ولكن لا يجوز للجماعة ولا يصلح لها.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «كن عبد الله المقتول ولا تكن.....» الحديث.. لا يصحّ التعميم، فلا يصحّ أن تقدّم أمة بأكملها رقابها لشخص واحد يضرب رقابها فردًا فردًا وهي بالملايين، وإلا كانت هزأة للأمم، فكيف تعجز أمة بأكملها عن تغيير شخص واحد كما تغيّر العباءة ويستطيع شخص واحد أن يفنيها ويذل رقابها؟ وما هو معنى الخروج من عبادة العباد الذي جاء به الإسلام؟ وأين عزّة المؤمن التي جاءت كخبر وتكليف؟

ثم كيف تعجز الأمة أمام لصوص أو فاسدين أو أوباش في حالة الاعتداء على المال؟ فإنّ قتال هؤلاء جهاد، ودفع الصائل عموما على المال أو العرض أو النفس جهادٌ كجهاد أهل الحرابة، بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم: «فهو شهيد» فالمدافعة واجبة في هذه الحالة.

والخطاب الفردي عموما يحتمل أربع حالات: 

أـ أن يكون خطابا خاصا بصاحبه كشهادة خزيمة وغيرها.

ب ـ أو يراعى فيه المناط الخاص لكل شخص، فيكون غيره من الأفراد أولى بغيره من الأحكام. كقوله لمن طلب الإذن بالخروج للجهاد فنصحه في شأن أبويه بقوله «ففيهما فجاهد»، وكأجوبته صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن نصيحة خاصة به أو من سأله عن أفضل الأعمال (يراجع في هذا الموافقات للشاطبي) فهذا الحكم يختلف عن الذي قبله بأنه يمكن تعدّيه إلى غيره من المكلفين.

جـ ـ أو لا يتعدّى إلى غيره لأحد أربعة أمور:

1- اختلاف حكم الجزء عن الكل: فقد يكون الفعل مباحًا من حيث الجزء، مطلوب الفعل من حيث الكلّ(كالزواج)، وقد يكون مباحًا من حيث الجزء، مطلوب الترك من حيث الكلّ(كالغناء المباح الخالي من المحرمات).

2- اختلاف حكم حالة الانفراد عن حالة الاجتماع: كموقف الفرد في الفتن: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»، فهذا يصحّ في حق بعض الأفراد لملابسات وظروف يقتضيها الحال، ولكنه لا يصلح أن يكون موقفا للأمة كلها، أي أن تتقدّم فتُقتل فردًا فردًا! فهذا فاحشٌ في الشريعة التي جاءت بالعزّة، وفاحشٌ في الفطرة وبَدائِه العقول.

3- أو أنه عند التعميم يفحُش ولا يطّرد: كترك القتال في الفتن وترك الدفاع عن النفس، وكالهجرة وترك الدار عند الظلم، وكقول بعض العلماء: «من شغلته ألف درهم وجبَ عليه الخروج منه»، وكالأمر باتّباع العبد بغنمه شَغَفَ الجبال فرارًا من الفتن، فكل هذه الأوامر هي أوامر فردية لا تصلح للاطّراد لعموم الأمة.

4- أو يكون عامًّا غير محفوظ خصّصه عامٌّ محفوظ: فالعموم المحفوظ كحديث «من قُتل دون ماله فهو شهيد»، والعموم غير المحفوظ كأحاديث الصبر عند الفتن، فبهذا خرجت أحاديث الفتن والصبر عن التعارض مع أحاديث «من قتل دون ماله فهو شهيد» وخُصّصت.

وهذه الأحاديث ـ أحاديث الاستسلام ـ إمّا خطاب فردي كما سبق بيانه، أو عموم مخصوص، والعموم المحفوظ يقضي ويخصص العموم المخصوص، وما خصّ من وجه جاز تخصيصه من كل وجه. وقد خصّت هذه الأحاديث بالترغيب في قتال الخوارج، وقتال البغاة، والأمر بدفع الصيال، وبقتال الحرابة، وبقتال الممتنعين عن الشرائع، وقتال المارقين، والأمر بقتال المتغلّبين، وقتال المرتدّين عن الشرائع. ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: «كن عبد الله المقتول... الحديث» إنما هو في حالة القتال في فتنة بين قوم صالحين وباختيار من الشخص؛ فهو مخيّر بين الأخذ بهذا النصّ وبين الأخذ  بالنصّ الآخر في قوله صلى الله عليه وسلم: «من قُتل دون ماله...». وأما في حالة قتال بين أوباش فينبغي للمؤمن الذَّوْد عن عرضه وشرفه وحريمه وألا يتركهم ضياعًا. وينبغي أن يفرّق بين النهي عن الدخول في الفتنة ـ في حالة تحقّق وصف الفتنة وعدم وضوح المصيب من المخطئـوبين الذَّوْد عن النفس والمال والعرض والمظلمة وكرامة المسلم بشكل عام، فما تناول هذا الحكم لا يستلزم الحكم الآخر.

د.أو يطّرد ويُعمّم بالنسبة لعموم الأفراد كتكليف شرعي فردي، وليس كهيئة اجتماعية، وذلك كحديث المسيء في صلاته.

مع الإشارة إلى أنّ غالبية الأحكام الشرعية يتعدّى حكمها.

2ـ وأما الخطاب الجماعي

فيشمل الجماعة على هيئة الاجتماع ومجموع الأفراد والفرد ـ بما يخصه ـ  فالخطاب الجماعي لا يَحتمل؛ فينبغي تقديمه على الخطاب الفردي.

والمقصود عمومًا من الخطاب الجماعي أن تتحرك الجماعة كهيئة اعتبارية، فللمجموع في هذه الحالة دوره، ولا يصحّ أن ينقل إلى خطاب فردي أيضا لعدم القدرة وللحاجة إلى أعوان، وإلا لم يتحقق مقصود الخطاب.

والفرق بين الخطابين الفردي والجماعي واضح ومطّرد في القرآن والسنة ولابد من التفريق بينهما.

فحيثما جاء الخطاب فرديا كان التكليف به على الهيئة الفردية، وقد يطّرد ويُعمّم إذا كان قابلا لذلك، ولكن كعموم أفراد وليس على هيئة جماعية، وإنْ لم يكن قابلا للتعميم بقي على أصله من الانفراد.

وحيثما كان الخطاب جماعيا كان للهيئة الجماعية - كهيئة اعتبارية - دورها في التكليف الشرعي.

فالصيام حكم فردي يحققه الفرد في نفسه، ولكن الخطاب به جاء على الهيئة الجماعية:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ...). ثم جاء الخطاب بعد هذا فرديا:(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). ثم أعقب بخطاب فردي في العلاقات الاجتماعية بين الرجل وأهله، ثم كان الخطاب التالي بتحريم أكل الأموال بالباطل ـ كنوع من الأكل المحرم ـ على الهيئة الجماعية، فلا بدّ في الخطاب الجماعي من اعتبار هذه الهيئة وأنّ للجماعة دورها في تنفيذ هذا التكليف؛ كالإعلام بدخول وقت الإفطار ووقت الفجر، وكإحياء الليل على الهيئة الاجتماعية على ما أقرّه عمر رضي الله عنه.

في وصايا لقمان كان الخطاب فرديا، بينما في الأخلاقيات الواردة في سورة الإسراء جاء بعضها على الهيئة الجماعية وبعضها على الهيئة الفردية. فالعبادة لها جانب فردي من الاعتقاد والسلوك والخلق، فجاء الخطاب فرديا (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ...)، ولها جانبها الجماعي من الولاء والبراء والحاكمية، فجاء الخطاب الجماعي (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ...)، وكذلك الأخلاق على هذا المنحى لكلٍّ اعتباره.

في سورة الأنعام ـ وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه كما يقول ابن مسعود ـ كان الخطاب جماعيا، فقوله:(لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)في سورة لقمان جاء بصيغة فردية؛ ذلك أنّ أساس العبادة والتوحيد فردي من حيث التصورات والمشاعر والسلوك والمواقف والاعتقاد، فكان الأمر الفردي هنا تأكيدا لهذا الجانب وإبرازا له.

بينما جاء الخطاب في الأنعام بصيغة جماعية:(أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا)، وهذا إبراز للجانب الجماعي في العبادة وما يقابلها من الانحرافات الجماعية، فمن ضمن العبادة والتوحيد التحاكمُ إلى الشريعة وتحكيمها وإقامتها والولاء والبراء، وهي أمور جماعية تخصّ الهيئة الاجتماعية وتقام من خلالها، وهذا غير ما يخاطب به المرء كفرد بما يخصّه في هذا التكليف وما يليق بوضعه الفردي.

 فللجماعة مسئولية تضامنية مؤسسية لها دورها واعتبارها في هذا التكليف، وللفرد ما يناسبه منها فيما يخصّه وفيما لا يُخرج الهيئة الجماعية عن الاعتبار. فالعام الذي ينبني على سبب لا يصحّ إخراج السبب الذي هو أصل الخطاب عنه، بل يعتبر السبب أولا ثم يلحق به غيره بما يليق بحاله.

ومن الأمثلة على السياق الجماعي - كنصٍّ فيه بل والتركيز عليه - الآيات من آل عمران:

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ* وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ* كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَلَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ)([2]).

فقوله تعالى (جَمِيعًا) لأهل التفسير فيها قولان:

1ـ أن يعتصم كلٌّ منكم بحبل الله تعالى، وأن (جَمِيعًا) حال من حبل الله تعالى.

2ـ أن تجتمعوا جميعكم على الصراط، فيكون هنا أمران: الاعتصام والاجتماع، وهذا هو الصواب، وهذا اختيار شيخ الإسلام.

وفي قوله (وَلاَ تَفَرَّقُواْ)، (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ) فسّر البعض التفرق هنا بالافتراق الديني، ولم يجعلوا الآيات متناولة للتفرّق الدنيوي، مما وهّن حرمة التفرق الدنيوي، بينما سبب النزول وسياق الآيات في التفرّق الدنيوي في قصة الأوس والخزرج، وما فعله شاس بن قيس من دسّ الشاب اليهودي بين الأنصار يذكّرهم بيوم بعاث، حتى قال بعضهم لبعض: إنْ شئتم رددْناها جذعةً وتثاور الحيّان وتواعدوا الحرّة على أن يأتوا بالسلاح، فخاف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتركوا رابطة الإسلام وولايته إلى التولّي في قبلية كلّ طائفة بروابط ما قبل الإسلام، فكان تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الآيات تأمر بالتمسّك بالإسلام والتوحيد ورابطة لا اله إلا الله في كل لحظة، حتى إذا فاجأ أحدهم الموتُ فاجأه وهو مسلم يتولّى بولاية الإسلام. ونهاهم عن التفرق المطلق عن سبيل الله المترتّب على التولّي بغير ولاية الإسلام وتولّي كل طائفة بغير ولاية الأخرى حتى يخلو السبيل، ففي هذا نزلت الآيات.

 وأخذ منها السلف ـ كلام حبر الأمة ابن عباس رضى الله عنهما بأنه تبيضّ وجوه أهل السنة والجماعة وتسودّ وجوه أهل البدعة والفرقة ـ على وجه الإلحاق ـ النهيَ عن التفرّق الديني، فتكون الآيات متناولة أصلا للتفرّق الدنيوي ويلحق به التفرق الديني؛ فلا يصحّ إخراج التفرّق الدنيوي عن عموم الافتراق المنهيّ عنه، بل هو أصل النهي، فما نزل على سبب لا يصحّ إخراج سبب النزول من مناط الآية. وأما النهى المباشر عن التفرّق الديني ـ في العقائد ـ ففي مواضع أخر كقوله:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) وقوله تعالى:(وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، فلكل معنى في القرآن إشباعه وحقه في البيان.

ففي الآيات إشارة الى دور الجماعة وابرازه. ولو كان يصح اختزال الجماعة في السلطة لاختُزلت في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أولى مخلوق بهذا، ولركّز السياق مثلا على طاعته ولم يعط للجماعة اهتماما، ولكن كان تركيز السياق على دور «الأمة» و«الجماعة»: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا)، (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)،(وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ)،(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)،(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ)، ففي هذا السياق التركيز على دور الجماعة.

 بينما عندما أراد الحديث عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  فقد أمر بها في مواضع أخر من آل عمران بصيغة جماعية:(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)، (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ).

أو بصيغة فردية كما في سورة النساء:(مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)،ولكلٍّ من الطاعة الفردية والجماعية اعتبارها كما أوضحنا سلفا.

والقرآن لا يزاحم المعاني، بل يُشبع كل معنى ويعطيه حقه ويفرده بالأهمية خاصة فيما تعظم به البلوى. فقد ركّز هنا على الجماعة وحرمة الافتراق ودور الأمة، وأعطاه حقه في البيان، ولم يتكلم هنا عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يحمّل معنى على معنى آخر وإلا ضاع جمال السياق القرآني وفقد تنوّعه، وليس هذا إهمالا لطاعته ولا تقليلًا من أهميتها؛ فقد تكفّل أكثر من أربعين موضعا آخر ببيانها وإشباعها والتحذير من المخالفة، ولكن المقصود هنا بيان دور الجماعة وأهميته وإبرازه؛ لأنها منوط بها تكاليف شرعية تقوم بها على هذه الهيئة، وإلا تعطلت أحكام شرعية لا تقوم إلا من خلالها، ولضاعت مصالح إستراتيجية للأمة لا تحفظ إلا من خلال هذه الجماعة، وإلا ضاعت الأمة كما نرى وكما يشهد التاريخ القديم والمعاصر.

وهذا الأمر ملحوظ في القرآن؛ فعندما أراد السياق القرآني الكلام عن أشخاص الأنبياء ومعاناتهم الفردية كشخصيات لها تأثيرها، تكلّم في سورة طه التي كانت تُبرز دور الأفراد عمومًا، سواء في جانب الهدى فتكلم عن الكليم موسى عليه السلام، أو في جانب الضلال فتكلم عن السامري، أو في تجربة المعصية والتوبة والمسئولية الفردية في العمل فتكلم عن آدم عليه السلام.

بينما في سورة الأعراف كان الحديث عن دور «الأمة» و«الأقوام»، فكانت قصص قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم لوط وبني اسرائيل كأمة وصراعها مع فرعون وملئه وقومه حتى تمت عليهم كلمة ربك الحسنى، ثم انحرافهم كأمة وليس كأفراد إلى آخر السياق الكريم.

وليس هذا إغفالا لدور الأمة في سورة طه، ولا إغفالا لدور الفرد في سورة الأعراف؛ فقد كانت هناك إشارات مجملة للجوانب الأخرى، ولكن المقصود هو إشباع كل معنى ليأخذ ما يستحقه من البيان وتتضح أهميته، ثم هناك النظرة الكلية التي تجمع هذه الخطوط في النهاية بأخذ الدين جملةً وبنظرٍ كليّ تتوازن فيه هذه المعاني وتُعتبر كلًّا، وليس تفاريق متناثرة لا رابط بينها.

 

والجماعة على هيئة الاجتماع تتمثل في:

أهل الحل والعقد، أهل النظر الشرعي والاجتهاد، القضاة، ديوان المظالم، وديوان الحسبة، أمراء الجند، أشراف الناس، رؤساء القبائل، حكماء الأمة ونقباؤها وأمناؤها وخبراؤها..مع قواعد جماهيرية تساندهم وقوات مسلحة تقف على الحياد؛ لأنّ ولاءها للدولة وليس للسلطة، وتنفّذ أخيرا ما يحكم به القضاء وما ينتهى إليه رأي الجماعة في بقاء الحاكم أو عزله.

 وعموما فللجماعة دورها ووجودها وهي غير السلطة؛ فالسلطة رمز للدولة ولكن ليست هي الدولة، والجماعة لا تُختزل في السلطة بل للسلطة وجودها المستقل، ولهذا جاء فى بعض الأحاديث ذكر جماعة المسلمين وإمامهم، فالجماعة غير الإمام ـ وأحيانا يذكر أحدهما فقط ـ مما يؤكد وجود الجماعة التي تصحح مسار السلطة وتقوم بالرقابة والتولية والعزل حسب مصالح الأمة.

والجماعة بهذا الاعتبار لم يعد لها وجود، فقد تآكلت بعد العهد الراشد، وعلى هذا الوضع أصبح خطاب الله تعالى:(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ...) أصبح في غير موضع ولا محلّ لهذا الخطاب؛  لأنه لا يوجد من يقوم به، ولهذا قالت عائشة ـ رضى الله عنها ـ يا ابن أخي ترك الناس العمل بهذه الآية، وكان مقصدها ـ رضي الله عنهاـ أنه إذا كان الخلاف والاقتتال بين طائفتين من المؤمنين، وإحدى هاتين الطائفتين السلطان أو الإمام؛ فهو يعتبر طائفة والأخرى طائفة، وعلى الجماعة ـكهيئة اجتماعيةـ الإصلاح بينهما بالعدل وقتال الباغية فيحالة تبيّنها، وأمر هذه بالتنازل عن باطلها والأخرى كذلك وإحقاق الأمور، ويكون عندها القدرة على العزل وردّ الأمر إلى شورى المسلمين إنِ اقتضت الأمور ذلك، فإنْ لم يكن للجماعة وجود غير وجود السلطة فلا تستطيع القيام بهذا التكليف الشرعي. وهذا مثال مهمّ للتكليف الشرعي الجماعي الذي لا يتحوّل إلى خطاب فردي..

ـ وكذلك حديث السفينة

«حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرّون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي ولا بدّ لي من الماء، فإنْ أخذوا على يديه أنجوه ونجّوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»([3]). وحديث: «أعجزتم إذ بعثت رجلا فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري» كل هذا صار في غير موضع.

وكذلك  خطاب أبي بكر للأمة: «إذا أحسنتُ فأعينوني، وإذا أسأتُ فقوموني»، صار أيضا في غير موضع، فمن سيقوم بهذا الخطاب؟وأبو بكر رضي الله عنه لا يوجه خطابه لآحاد المسلمين وأفرادهم كلّ على حدة، وإنما يوجهه للأمة على هيئة الاجتماع تُكلّف به وتقوم به، أما قيام كل فرد بعينه فهي الفوضى بعينها أو العجز.

وأيضا خطاب عمر رضي الله عنه: «من تأمّر دون أنْ يُؤَمّر فاضربوا عنقه» هو خطاب للأمة على هيئة الإجتماع، وليس للأفراد وإلا كانت الفوضى كما سبق، لأنّ الله تعالى خاطب الجماعة فى القرآن ولم يخاطب السلطة، بل كان عامّة الخطاب موجّهًا للجماعة على هذه الهيئة، وأما خطاب السلطة فلم يَردْ إلا في موضعين:

(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ...) الآية.

وقوله (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...)الآية.

أما باقي خطاب القرآن والسنة فإما:

ـ خطاب فردي.

ـ أو خطاب جماعي للمؤمنين أو للناس كافة.

ـ أو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم  إما خطاب يخصّه، أو ينسحب على الأمة على هيئة أفراد أو على الهيئة الجماعية ـ حسب السياق ـ لكن بُدىء به فى الخطاب صلى الله عليه وسلم .

واختفاء دور الجماعة بهذا الوصف هو أسوأ ما حلّ بالمسلمين خلال تاريخهم.

والذي حدث تاريخيا أنِ اختُزلت الجماعة في السلطة ـ رغم أنّ الجماعة غير السلطة ـ ثم تصارعوا عليها وبالصراع سقطوا كما قال جلّ جلاله:(وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...) الآية.

وبتهميش دور الأمة عجزتْ عن الفيء، واشتدّت الغربة واشتدّ الإغتراب، ودخلت الأمة في الغيبوبة، وهذا هو التشخيص لما حدث بالمسلمين.

وسبب الخلل في كل هذا الفهم هو إذعانهم لإهدار قاعدة الشورى، ثم إقرارهم بشرعية التغلّب، ثم إقرارهم بشرعية الافتراق، ثم قابلوا الفسق والظلم والخيانة والنفاق بالصبر، ثم أهدروا الخطاب الجماعي للأمة كهيئة اجتماعية واختزلوا الأمة في السلطة، وهذا سبب ما نحن فيه من بلاء.

 


([1]) سبق أن أورد الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب كلامه عن "الخطاب الفردي والخطاب الجماعي" بشيء من الاختصار، وذلك في موضوع "مقومات الخلافة الراشدة" عند الكلام عن حديث حذيفة وحديث ثوبان ليوضّح الخطاب الفردي والخطاب الجماعي الموجودين في كلّ منهما وما يبنى على ذلك من فهم وعمل. وقد روجع الشيخ بخصوص تكرار الموضوع (رغم أنّه هنا أكثر تفصيلا) فأصرّ على إبقائه كذلك لكونه موضوعا جديدا لميتضحللناسبعد،فأرادزيادةالبيانعندالمناسبتينل يكون تأكيدا ملائم الأهمية الموضوع،معكونهمهملاولميأخذالمساحةالكافيةعبرالتاريخفيالتوجيهوفيالوضعالمؤسسي،ولأنهمنأولماأُهدرعبرالتاريخالاسلاميمعسقوطوضعالشورى (الناشر).

([2]) سورة آل عمران، الآيات: 100-111.

([3]) صحيح البخاري، جـ2، ص 954، رقم: 2540.