رأي الشيخ عبد المجيد الشاذلي في التجربة السعودية.. وأثر غياب دور الأمة

بقلم الموقع | 25 يونيو, 2015
المؤلف: الموقع
إخوان من طاع الله: جيش الدولة السعودية الذي قضى عليه الملك عبد العزيز آل سعود في معركة السبلة عام 1929م وما تلاها

إنَّ ما يحدث في السُّعوديَّة الآن، إنَّما هو بسبب أنَّ الدَّعوة الوهَّابيَّة قد قامت على أساس: [إنَّ اللهَ لَيَزَع بالسُّلطان ما لا يَزَع بالقرآن]، ونَسِيَت قَوْل الله عزّ وجلّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران : 110)، وقَوْل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَّدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران : 104)، وقَوْل الله عزّ وجلّ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَّهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف : 159)، وقَوْل الله عزّ وجلّ: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَّهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف : 181).

فَهُمْ قد ركَّزوا على دور السلطة، ومعها الصَّفوة، ولكنَّهم نسوا دور الأمَّة، وكانت الأمَّة غائبة عن القضيَّة أصلاً، أمَّا السُّلطة فقد وقعت في براثن الصليبية الدولية، وكانت الأمّة غائبة عن القضيّة أصلا، ففرحت بالمسرّات التي جلبتها إليها السلطة، وضاقت بتشديدات الدعوة الوهابية، أو الدّين، وتريد الانسلاخ، ثم سُلِّطَت الفتنة على الصّفوة، ولم يبق صامدًا منها إلا القليل، فبين: [خيانة سُلطة، وغياب دور أمّة، وتحالف أمّة مع سُلطة، وتمزُّق صفوة]، فهنا: [الواقف يكون أضيع من الأيتام في مأدُبة اللِّئام].

ولو كان دور الأمَّة قويّا لاختلف الموقف، ويوم أن كان دور الأمَّة أقوى بعض الشَّيء من الآن، كان باستطاعة ابن باز وغيره أن يُكلّم: فيصل، وأن يقول له : "يا فيصل، كذا"، وليس : "يا جلالة المَلِك"، وكان له سطوة، وله نفوذ، وله كلمة، أمّا الآن فقد أصبح رجال الدِّين عبارة عن: [جهة تبريريَّة لما تفعله السُّلطة]، كما يحدث في مصر وفي غيرها، لأنَّهم فقدوا سُلطتهم بعدم مُساندة الأمَّة لهم، وبغياب دور الأمّة.

ولو حدث أنْ أتى الإسلام بنفس هذه الطريقة في مصر ـ أو في أي مكان آخر ـ ، فإنَّه من الممكن أن يقفز إلى السلطة أناس كثيرون متمرّنون جيّدًا على الوصول إلى السلطة من خلال أي نظام موجود؛ فهُم ذوو طبيعة وصوليّة، ويستطيعون أن يجدوا السَّلالم والأساليب المعيَّنة التي تقوم بإيصالهم، من خلال أيّ مجتمع، وأيّ تشكيلة، وأيّ نظام، وأيّ حزب. والجهات الدَّوليَّة إنَّما تتلقَّف مثل هذه العناصر، ومن الممكن أن يتمّ التّحالف والاتّفاق مباشرةً، ومن الممكن أن تتمّ عمليّة الاختراق والتّسلّل وكلّ هذه المسائل، وقد يتغيَّر الأمر كلّه في ظرف جيل أو جيلين فقط، وراء المصالح، ووراء الدّنيا، ووراء المكاسب العاجلة. وقد تُعطي السّلطة الدينيّة الموجودة تبريرات للأغنياء، ولأصحاب النّفوذ الذين استفادوا من الأوضاع الجديدة، وتسير معهم، وتتأثّر بهم. ثمّ إنَّك قد تجد أنَّ المنهج الإسلامي كلّه قد ضاع وراء حِفْنَة من المصالح، لحِفْنَة من الرِّجال، أو وراء بعض المصالح لحِفْنَة من الرِّجال، وذلك إذا لم يكن للأمَّة دور في الموضوع، وإذا لم يكن الموضوع مستقرًّا عند رأي عامّ قويّ، وإذا لم تكن دائرة الفَهْم أو التَّنوير مُتّسعة.

إنَّما مع غياب التَّنوير حتَّى عند الصَّفوة، ومع غياب الفهم، ومع غياب الفهم الصَّحيح للقضايا، ومع الاكتفاء ببعض العموميات المُمَوَّهَة وغير الواضحة. بمعنى أنَّه مع عدم فهم طبيعة الدّين، ومع عدم فهم طبيعة الزّمان، ومع عدم فهم طبيعة القُوى التي تتصارع فيه، ومع عدم فهم طبيعة القُوى الاجتماعيّة التي تعمل في الداخل؛ فكلّ هذا يمكّن مثل هذه العناصر من إفساد كل شيء، ومن الممكن أن يَحْدُثَ مثلما حَدَثَ في السُّعوديَّة ، ولكن بطريقة أخرى مختلفة تتَّفق مع طبيعة كل مجتمع، فلابد من دور الأمّة.

    القَدَم الرَّاسِخ للإسلام :

إنَّ دور الأمَّة واضح جدّا، ولا داعي في أن نستمرَّ في بيانه، لأنّه واضحٌ جدّا، فليس فيه كلام، وكما ذكرتُ من قبل بأنَّنا لابد وأن نتعلَّم مما يحدث في السعودية الآن، إذ لابد وأن نتعلّم منهم التَّجربة، وأنّ هذا قد أتى من غياب دور الأمَّة، ومن اختصار التَّشريع على الرُّجوع إلى الشَّريعة الإسلامية دون التّقنينات من الشريعة والتي تُغَطّي مساحة الحياة كلّها، فتركوا بذلك فراغًا، حيث أنّهم يقومون بالاستعانة بتقنينات من الخارج عن طريق محامين من مصر، ومن غيرها، لأنَّه لم يحصل تغطية كاملة للحياة كلّها من خلال نظام قانوني إسلامي، فبدا الأمر وكأنّ الشريعة لا تغطّي كلّ الاحتياجات المعاصرة. بالإضافة إلى أنَّهم لم يستوعبوا الحاضر المعاصر بتقنياته وبعِلميّاته وباقتصاديَّاته وبطبيعة الظروف السياسية المتصارعة فيه، رحمَ اللهُ امرأً عرف زمانه فاستقامتْ طريقته.

    كما أنّهم ـ ومع غياب دور الأمَّة أيضا ـ رجعوا إلى ما يُسمّى بشرعيَّات الضَّرورة، وليس إلى [الشَّرعيَّات المستقرَّة]، والتي هي خلافة راشدة على منهاج النُّبوَّة، والتي تقوم على أساس: [الشُّورى ، وعمل أهل الحلّ والعقد، ودور الأمَّة]؛ لأنَّ هذه الأمور إنَّما تقترن ببعضها البعض، فمادام دور الأمَّة غائبًا، إذن فإنَّ الأمر سيكون: [جبريّات، ومُلْك عَضُوض ، وانعدام مُشاركة الأمَّة، وشرعيَّات ضرورة، وليست شرعيَّات مستقرّة، وليست خلافة راشدة على منهاج النُّبوَّة]، وإذن فإنَّ الأمر كلّه سيكون قابلاً للتقلّص السَّريع ، وللانحراف، وللذَّوبان، وللتَّغيُّر إلى صِيَغ علمانيَّة أخرى مع فِعْل الوقت.

    إذن فعندما يقوم الإسلام مرَّة أخرى في مصر، فلابد وأن نستوعب هذه الأمور، ولابد وأن يعود الإسلام إلى:

    * شرعيّة مستقرّة، وليس إلى شرعيّة ضرورة.

    * وإلى خلافة راشدة على منْهَاج النُّبوَّة.

    * وإلى عمل أهل الحلّ والعقد.

    * وإلى مشاركة الأمّة، فيكون دور الأمّة قائمًا.

    * وأن يُغطّي بالتّقنين الإسلامي مساحة الحياة كلّها، ولا يتركَ فراغًا لأحد.

    * وأن يستوعب ظروف العصر كلّها، فيستوعب الفجوة الحضاريّة، ويجتازها، ويستوعب الواقع الحضاري العالمي..

    وكلّ هذه الأمور هي التي تُعطي للإسلام قدما راسخًا في أي بلد يظهر فيه لكي يحكمه، فلننتبهْ لهذه الجزئيّة، لأنّها جزئيّة في منتهى الأهميَّة، وهذه الجزئيَّة إنَّما تُشكّل ردودًا على العلمانيّين الذين يُهاجمون الإسلام؛ لأنّهم لا يفهمون طبيعة الأمور، بل ويُلبّسون على الأمّة بأمثلة معاصرة، أو بأمثلة تاريخيّة، بينما الإسلام بريءٌ منها، لأنَّ الإسلام له صورة صحيحة، ومن المفروض أن يَرجع بها، أو أن يُرْجَع إليها، وهي التي ندعوا إليها.

(ملاحظة: الكلام من أشرطة للشيخ - رحمه الله - ضمن سلسلة طويلة ألقاها في العام 1993 ، وقد تمّ تحويل بعض الألفاظ للعربية الفصيحة).