سأحدّثكم عن شيخي وأستاذي الذي لم يكن فيلسوفًا..

بقلم شريف محمد جابر | 24 يونيو, 2015

أمس كنت أقرأ في كتاب لأحد المفكرين المعاصرين ممّن يوصف بأنّه أحد كبار "الفلاسفة" المعاصرين، وممّن يُمدح "عالطالعة والنازلة" - كما يقول العوام عندنا - من قبل شريحة لا بأس بها من المثقفين، الذين أغرموا بالصياغات الفلسفية لعالم الأفكار والأشياء والأحداث..

كنتُ أواجه صعوبة بالغة في محاولة استكناه المقاصد الفكرية والعملية التي يرمي إليها ذلك "الفيلسوف" الفذّ؛ فقد كان بارعا في صياغة الاصطلاحات والعناوين، مغريا في ممارسة القراءة أكثر وأكثر.. عانيتُ قريبًا من ساعة، إلى أن استسلمتُ أمام واقع يصرخ في وجهي بتساؤل وجودي كبير: ماذا يريد الفيلسوف منّي كقارئ؟!

وهنا تماما، في تلك اللحظات المثقلة باصطلاحات الفلسفة، تذكّرتُ شيخي وأستاذي، شيخي وأستاذي الذي لم يكن فيلسوفًا..

شيخي الذي كان يكثر من النقول عمّن سبقه من الأئمة المعتبرين، لا ليمارس عملية "القصّ اللصق" التي يتقنها الكثيرون، بل لتكتشف بعد اكتمال القراءة أن ثمّة "مجهر" دقيق حمله الشيخ الحصيف ليمخر به عباب النصوص القديمة، ثم يأتيك بالخلاصة، الخلاصة التي تبحث عنها، الخلاصة التي تحسم موضوع البحث بعد استيفاء النقول فيه، كان ذلك واضحا جدّا في بحثه عن مدلول "الإيمان" و"الإسلام" كما هي في دين الله، حيث استخدم الشيخ منهجية "الاقتراب المباشر"، ليخرج لك خلاصة الدلالات التي جاء بها اللفظان كما في الكتاب والسنة، وليطرح مادّة جادّة في حسم قضية شغلت العقل المسلم طوال قرون.. ثم ماذا؟ هل اكتفى الشيخ بهذا الحسم "النظري"؟

كلا، بل كانت الثمرة العملية لهذا الحسم هي التصدّي لأبواق الإرجاء التي أضفت الشرعية على طواغيت العلمانية الذين يسومون الأمة سوء العذاب.. وهي هي ذات الأبواق التي تنطلق أصواتها المتعالية اليوم لتدافع عن وحشية هؤلاء الطواغيت، ولتغرس سكاكينها النكدة في خاصرة طلاب الحرية ومحاربي الطغيان!

شيخي الذي لم يكن فيلسوفًا.. بل لم يكن أديبا يوظّف عناصر التشويق والمتعة فيما يكتب، كان أصوليّا يتقن أدوات "أصول الفقه" جيّدا، ليس إتقانا "نظريا" يكتفي بعرض القواعد الأصولية والفقهية فحسب.. بل إتقانا "تطبيقيا"، بلغ أوجه حين تصدّى لحلّ إحدى أخطر الأزمات الفكرية التي تعرّضت لها الأمة منذ قرون طويلة، وهي أزمة "علاقة الحاكم بالمحكوم"، وتوغّل سلطة الفرد الحاكم الذي غيّب دور الأمة وعطّلها عن القيام بواجبها الشرعي.. كان قد وظّف ملَكة الأصول "النظرية" للتعامل مع النصوص الشرعية الكثيرة، ليخرج من خلال "الجمع بين أطراف الأدلة" مما يُظنّ لأول وهلة أنّه تعارض ظاهر، ويصل في النهاية إلى تحديد المناطات المختلفة في علاقة الأمة بحكامها، وإلى بيان الاتّساق البارز في الأحاديث النبوية التي تعالج الموضوع، وبأن الأمر ليس "صبرا" مستداما في كل حال، وليس "سمعًا وطاعة" لكلّ من هبّ ودبّ كما يقول المزوّرون، وبأن هناك فرق بين "الخطاب الجماعي" في تلك النصوص، وبين "الخطاب الفردي"..

شيخي الذي لم يكن فيلسوفًا.. ولكنّه حمل هموم النهضة كأشدّ ما يحملها فقيه ، وكأبرع ما يحملها سياسي، وكأعمق ما يحملها خبير في الاقتصاد والصناعة والتنمية..

بينما كان الفلاسفة المعاصرون، ممن يوصفون بأنهم حملة لمشاريع نهضة الأمة، وبأنّ الأمة في أمسّ الحاجة لأفكارهم كي تخرج مما هي فيه من تخلف وتبعية وانحطاط.. بينما كان هؤلاء يجيبون عن "سؤال الفلسفة"، كان الشيخ يجيب عن "سؤال العمل"، سؤال العمل الذي ينطلق من أسئلة الفكر النظرية ابتداءً، من مفاهيم "التوحيد" و"الشرعية" و"التغيير" و"التمكين" و"التنمية" و"القوة" وغيرها.. ولكنه لا يظلّ أسيرا لمعالجاتها النظرية، ماكثا على صياغة أنساقها الفلسفية، ناقدا لأطروحاتها المتداولة في الساحة، بل لا يلبث أن ينطلق إلى رسم "الخارطة" العملية لتحقيقها في الواقع الذي نعيشه.. وهي المهمة التي عجز عنها الفلاسفة؛ فقد عجزوا عن ربط أطروحاتهم "الفلسفية" بالواقع المعاصر، وأن يحوّلوا مساراتها المنشودة إلى صيغة "عملية" يمكن استئنافها بخطوات من مادة هذه الإنسانية، وهذا الواقع المحسوس!

عن شيخي وأستاذي عبدالمجيد الشاذلي رحمه الله

وفاءً وعرفانًا..