البلاغ المبين

المرفقالحجم
Package icon البلاغ المبين5.22 ميغابايت

عندما ثارت شبه كثيرة على الساحة كرد فعل لما قرر من خالص مذهب أهل السُنّة وما حرر من عقائدهم، وما قام به من أراد تشويه القضايا المطروحة وتفريغها وإثارة الغبش حولها، وجمع شبه القدامى الموروثة عبر القرون يستدعي منها ما يخدم شبهه، هذا مع رد أئمة السنة من قبل عليها..! ولم يكتفوا بهذا بل اختلقوا وابتدعوا شبها جديدة في منتهي الفحش، ثم تعاموا عن الواقع الموجود ووصفوه بغير وصفه.. وتوسعوا في عوارض الأهليه من جهل وخطأ وتأويل وإكراه وجعلوا الجميع داخلا تحت العذر أو العفو، مُعْملين لبعض النصوص ومهملين لبقيتها، وعارضوا النصوص بعضها ببعض.

لم يكن يريد رحمه الله أن يرد على هذه الشبه ولم يكن يريد أن ينشغل بها، نظرا إلى أمر الدولة وأهميتها وأهمية النظر إلى الإعداد للملفات الكثيرة والشائكة أمام العمل الإسلامي، ولكن عندما راجت هذه الشبه وصار يتحدث بها من علا صوته فاتبعه الناس على إحسان ظن، فألحّ تلاميذ الشيخ عليه حتى يرد على هذه البدع خوفا من أن تتقرر ولا تجد من ينتصب لإبطالها..

نظر الشيخ نظرة أوسع مما طُرح فعالج أمورا عديدة، ووجه الكتاب إلى القائمين على البحث العلمي والدعاة ليكون مرجعا لهم، وليأخذوا منه مؤلفات دعوية سريعة وقصيرة وسهلة للناس، حيث لم يكن يريد رحمه الله أن يقف الناس على ما ألّفه بل يريد بعد أن قام بدوره أن ينطلق إخوانه بناء عليها بأنشطة دعوية وعلمية وتوجه نحو الدولة الإسلامية.

بدأ كتابه بالرد على من قال أن مصطلح «حد الإسلام» بدعة، وذكر من أدلة القرآن وكلام السلف ما يوضح أن حقيقة المصطلح هو مما أمر الله تعالى به وبمعرفته، كأحد حدود الله تعالى التي أمر الله بمعرفتها ، لأنها مما أنزل الله على رسوله، بل هو أصل ما أنزل الله على رسوله وأعظمه، وبيّن أن دلالته هي دلالة التعريف للإسلام وبيان حدوده وأركانه واختلاف هذه الحدود والتعريفات باختلاف الدلالات، ففرق بين الإسلام العام والإسلام الخاص، ما بين التوحيد وبين الشريعة المحمدية.

يقول رحمه الله شارحا لماذا يرفض بعض من تلبس ببدعة هذا المصطلح، فيقول السبب الحقيقي للرفض هو أن هذا التعريف يحسم القضية ويبين حدودها بطريقة حاسمة، وهم يريدون أمورا مبهمة ومعاني مجملة ليتسنى لهم الهروب من المواجهة مع الباطل ومنازلته منازلة جادة وبيان الحق للناس بيانا لا لبس فيه لتقف الجماهير أمام الباطل لعودة الشرعية الإسلامية.

ثم تكلم عن حقيقة الإسلام العام، وذكر عدة مداخل لتفسير المصطلح وكلها تدل على حقيقة واحدة، هي التوحيد، وأن كل مدخل يدل على أحد الأركان أو عليها مجتمعة، أقصد أركان توحيد العبادة.

ثم ردّ في ثنايا هذا على الشبهة المصطنعة حديثا ـ وإن كانت معتمدة على شبه داوود بن جرجيس المدافع عن المشركين زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ وهي القول أن حقيقة التكليف بالتوحيد ليست هي إفراد الله بالعبادة وترك الشرك بل أن المطلوب هو الإقرار الاجمالي بالإسلام دون تحقيق التوحيد، والبراءة الإجمالية من الشرك دون ترك لأنواعه ومفرداته، وبناء على هذا فمن ارتكب أحد أنواع الشرك فهو وإن كان مسيئا من هذا الجانب فهو محسن لتركه أنواعا كثيرة من الشرك! وأن الصحابة لم يطلبوا من الأمم التي فتحوها أن يأتوا بالتوحيد ويتركوا الشرك!! بل طلبوا فقط براءة إجمالية وإقرارا إجماليا!!

وجعل أصحاب هذه الشبهة شأن أنواع الشرك شأن المعاصي، وبالتالي فالمسلم مسلم بغير التوحيد بل بالإقرار الإجمالي، وهو مسلم بغير ترك الشرك كما أمر الله بل بالبراءة الإجمالية ولا يضره ما وقع فيه من أنواع الشرك، نوع أو أكثر لأنه تارك لأنواع أخرى!! وناقضوا النصوص التي جاءت بـ )وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا( )وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا( )أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا (، «من مات وهو يشرك بالله شيئا دخل النار»، وخالفوا النصوص كفاحا وتأوّلوا ثوابت الدين وخالفوا إجماع الأمة وما دوّن في جميع كتب الفقه في باب الردة، وهي شبهة مبنية على شبه داوود بن جرجيس كما مر، فحسبنا الله فيمن أثار هذا الضلال ليضل الناس عن علم وقصد.

ثم بيّن حقيقة الايمان الشرعية وعلاقة الايمان بالإسلام، وتوسع في بيان توافق أشاعرة السنة وكرامية السنة ومرجئة الفقهاء مع السلف على الحقيقة الشرعية في المعنى وإن اختلفوا معهم في اللفظ والتعريف، وهذا التوسع مقصود منه توسيع دائرة الاتفاق تحت مصطلح «أهل السنة».

ثم نقل في بيان حقيقة التوحيد ـ وأطال النفَس في النقل ـ عن المدرسة الوهابية إشارة منه إلى نفاسة تراثها وضرورة الاهتمام بها، حتى أنه نقل كتاب كشف الشبهات كاملا ـ على طريقة ابن تيمية في نقل بعض نصوص الكتيبات القصيرة لنفعها ونشرها ـ كأنه يقول رحمه الله أن كل كلمة في هذا الكتاب مهمة ونافعة ولا بد من استيعابه بل وحفظه إن أمكن.

وأراد كذلك أن يبين أن مدرسة هذه الدعوة هي مدرسة السنة والسلف، وأن آخر طبقة من طبقات السلف ممن حمل علمهم خالصا هي المدرسة الوهابية، وأننا ننتمي إلى هذا التراث بجميع ميراثه وطبقاته.

بيّن رحمه الله في فصل نافع جدا ومميز، بيّن مسالك معرفة التوحيد؛ سواء من آيات مختلفة من القرآن العظيم، أو من خلال مداخل لغوية، أو مداخل أصولية، أو من مدخل فطري يمثل العلم الضروري، أو من دلالة الشهادتين.. ليبين غزارة طرق التعريف بالحق وأنه حق متواتر، تتكاثر الأدلة على إثباته، وتتعدد طرق الدعوة بين يدي صاحب الحق.. ويمكن لتلاميذه ولكل الدعاة أن يستخرجوا من هذا المسلك كتبا أو كتيبات للدعوة نافعة للأمة.

ثم ردّ رحمه الله على مجموعة بدع قديمة ومحدثة قام بحملها دعاة الإرجاء المحدَثون صدا عن بيان الحق، فكان هذا الفصل النافع في تحقيق وتجميع كلام ابن تيمية، مع اجتهادات الشيخ، وبيانه للحق من آيات القرآن العظيم، ليرد على هذه الشبهات والقيود التي زعموا أنها تقيد حقيقة الكفر، بما لا تتقيد به شرعا، إلا على مذهب المنحرفين عن السنة وميراث النبوة.

ثم تكلم عن بعض عوارض الأهلية فأوضح أن الإكراه تتناوله عدة أدلة منها ما يمنع من الاستجابة له «لا تشرك بالله وإن قُتلت وحُرّقت»، ومنها ما يستحب عدم الاستجابة له، ومنها ما تشرع الاستجابة له، ووضح الفرق بينه وبين التقية.

ثم تكلم عن ضوابط الخطأ والتأويل الذي يعذر به صاحبه، وبيّن أن له شروطا شرعية وأن العذر بهذا ليس مطلقا، حتى يعتذر به دعاة السوء عن أعداء الملة ومحاربي الدين وأهله، وأن من التأويل ما يكون عذرا لصاحبه إن التزم الشروط الشرعية، ومنه ما ليس كذلك بل من التأويل ما يُعدّ جريمة مضافة إلى جريمة المخالفة الشرعية كتأويل الباطنية والقرامطة لآيات الأحكام والمعاد؛ فليس من الْتزم بما كان عليه أصحاب محمد r وعظّم شأنهم واتبع القرون الخيرة كمن أعرض عنهم وكفّرهم أو بدّعهم ولم يسر على منهجهم، أو لم يرهم أهلا للإتباع، أو رأى أنه يسوغ له مخالفتهم وأنه قد يأتي المتأخرون بأفضل مما عليه الأولون، سواء في العلوم والمعارف أو في الإرادات، وذلك كما عليه الروافض والخوارج والباطنية، على اختلاف بينهم وتنوع في تفاصيل ودرجات البدع.

ثم عالج تأثير المقاصد في التأويل، ثم بين حقيقة ما فهمه البعض خطأ عن ابن تيمية في تفريقه بين المسائل الخبرية والمسائل العملية، ونسبوا إليه ـ جهلا أو زروا ـ قول أنه ليس هناك أصل للدين وفروع؛ فأوضح رحمه من النقل عن شيخ الإسلام ما ردّ به تقسيم المعتزلة، وهو الذي احتج به معاصرونا على أنه ينفي التقسيم إلى أصل وفرع جملة، ثم تكلم ابن تيمية عن التقسيم الصواب، وبيّن أن التوحيد بشقيه، «الخبري العلمي المعرفي، والإرادي القصدي الطلبي»، هو أصل الايمان، وهو ما أغفله المتأخرون أو تركوه عمدا ليخدم مقرراتهم الباطلة كما هي عادتهم في بتر النقول عن الأئمة للتلبيس والتزييف؛ فإلى الله المشتكى.

كما عالج معها مسائل القطع والتواتر والمعلوم من الدين بالضرورة، وأن مسائل الأصول والمتواتر والمعلوم من الدين بالضرورة كثيرة ومتقررة لا اختلاف فيها بين الأئمة بل هي محل اتفاق، وأنها بخلاف المسائل الاجتهادية الفروعية.

ثم أفرد فصلا في بيان معنى المروق من الدين وهو الاعتراض على المصادر الموثوقة، ما كان عليه القرون المفضلة، الصحابة ومن تبعهم، وأن مثال هذا المروق الخوارج والروافض، وأن هذه هي خاصة ابتداعهم وداؤهم الذي هلكوا به، وأنه ليس عذرا لأصحابه بل هو جريمة بحسب ما أدى إليه.

ثم بين أنواع الخطأ ومجالاته التي يعذر فيها صاحبه والتي لا يعذر فيها حتى لا يتوسع في رخص الشارع فتنتفي حقيقة الدين ولا يميز الناس بين الحقيقة التي يجب أن يتمسك بها وبين الرخص التي جاءت بها الشريعة السمحة.

ثم استطرد إلى التأويل وأوضاع وأحكام القتال في هذه الحالات، وكذلك حالات الحرابة، وتأويلات البغاة أصحاب التأويل السائغ الذين لم يمرقوا عن الدين ولم يخرجوا ببغيهم عن أصول كلية من الدين.

أفرد رحمه الله الجزء الثالث لقضية العذر بالجهل وشرحها شرحا أصوليا منضبطا وجامعا لأطرافها، وموضحا الحالات المختلفة ما بين حالة شيوع العلم أو شيوع الدليل، وحالة خفاء العلم والدليل مع الاتصال بالرسالات، أو حالة خفائهما مع الانقطاع عن الرسالات؛ فبين أن حكم الفترات يختلف ما بين حال الاتصال بالرسالات بحيث أن العبد فيها «تبلغه الدعوة بوجه أو يسمع لرسول بخبر»، وبين حال أخرى تنقطع فيها الفترة عن الرسالات بحيث «لا تبلغه الدعوة بوجه ولا يسمع لرسول بخبر».. حقق كل حالة ونقل عن الأئمة، ابن تيمية وابن القيم والشاطبي، حكم الحالتين الأخيرتين وخاصة حالة الانقطاع عن الرسالات وأقوال أهل السنة فيها.

وبين رحمه الله حالة ما بعد البعثة أن الحجة قائمة بقاعدتين، الأولى: «قاعدة من بلغه القرآن فقد بلغته الحجة»، والقاعدة الأخرى، يقول عنها رحمه الله أنها أقوى من الأولى، واستند إليها أئمة نجد في بيان المسألة، وهي قوله r في صحيح مسلم عن أبي هريرة t: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».

وأوضح أن وصف «اليهودي» و«النصراني» وصف ملغي أو طردي، فالمقصود به «أمة الدعوة» فتشمل اليهودي والنصراني كما تشمل المجوسي والملحد والوثني، وأن السماع بالرسول r وبلوغ الدعوة بوجه صحيح لمعانيها، تقوم به الحجة([1]).

ثم استطرد رحمه الله إلى مسألة الولدان لتعلقها بالمسألة، ورجّح قول أئمة السلف القدامى بأن الولدان قبل سن التمييز كلهم في الجنة، أبناء المسلمين وأبناء المشركين، لحديث ابراهيم u ليلة الإسراء، إلا من طُبع كافرا، ولذا لا يعين أحد بدخول الجنة، وأن من التمييز إلى البلوغ فأبناء المسلمين في الجنة وأبناء المشركين في المشيئة، وبهذا تجتمع الأدلة ويُعلم أنها لا تتوارد على محل واحد، ثم حقق مسألة ميثاق الفطرة تحقيقا نفيسا، فبارك الله في علمه وأثره.

هذا في الدلائل، أما في المسائل فناقش الأمر بعد بعثة رسول الله r، وعالجه على محورين، الأول محور الحقيقة فيما بين العبد وربّه أو في أحكام الثواب والعقاب، والمحور الثاني في مجال الأحكام الظاهرة.

في مجال الحقيقة فيما بين العبد وربه، بيّن أن الأمر ليس له وجه واحد بل هناك مناطات يمثل الجهل فيها عذرا، وهي مناطات منع الجهل فيها من تكوين المناط المكفر، وهي خمس مناطات بيّنها، ثم بيّن المناطات الثلاث التي لايمثل فيها الجهل عذراً وهي:

1ـ افتراء الكذب على الله «فصاحبه هو المطالَب بالدليل».

2ـ وما لا يصدر عن قلب فيه إيمان «لانحراف القلب وتغيّر تعلقه، فتعلق بغير الله تعالى، وأُشرب قلبه ذلك».

3ـ والعكوف على الشرك؛ فهذا قلب تعلق بغير الله وأُشرب قلبه حب غيره بمشاعر العبودية فأيّ جهل هذا الذي يُعتذر به عنه؟ وإنما الواجب البلاغ والدعوة لإنقاذ الخلق وقيادتهم إلى الله تعالى وبيان طريقه الموصل إليه، والذي جاءت الرسل لبيانه وتعريف الخلق به.

ناقش رحمه الله الشبهات ورد عليها، ثم ناقش البدع المعاصرة المتعلقة بموضوع العذر بالجهل.. استطرد رحمه الله فنقل كلام ابن تيمية عن الجهل وما يعتبره عذرا في هذا المجال، ونقل موقف المدرسة الوهابية الصريح في عدم الإعذار به في التوحيد ونقضه بالشرك الأعظم، وأن هناك فرقا بين الشرك الأعظم والعكوف عليه والذي لم تأت الأدلة بالإعذار بشأنه بل بتجريم صاحبه ووصفه بالإعراض، وبين مسائل الخلاف بين الأئمة في بعض جمل العقيدة ومسائلها الدقيقة والتي قال فيها شيخ الإسلام أن هذه مسائل دقيقة يغفر الله تعالى للمخطيء فيها، ومن هنا أخطأ من أخطأ في حمل كلامه في هذه المسائل على مسائل الشرك الأعظم.

في كل موضوع أو رأس مسألة أو عنوان يضعه ويقرر مسألة ما، يأتي بالأدلة من الوحيين ثم بنقول عن العلماء، خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي رحمه الله وغيرهما، بما يوضح وجه المسألة ويستطرد النقل بفوائد أخرى غزيرة العلم والدلالة يستفيد بها صاحبها في مجال المسألة المطروحة وفي مجالات أخرى، على عادة الشيخ رحمه الله ببيان خلفيات تقريره للمسألة، وجريا منه على عادة ابن تيمية الذي تأثر به الشيخ كثيرا.

في الجزء الأخير بدأ بعلاج مسألة أحكام الديار وأطال النقل عن كتاب «العبرة» في أحكام السفر والهجرة، وما قرره علماء اليمن، وكذلك الهند، في مناط مشابه، حكم فيه الانجليز بغير شريعة الله تعالى شعبا مسلما، ليأخذ رحمه الله عمّن سبق من السلف، وليتبع ولا يبتدع، وينظر كيف تعامل العلماء مع أقرب المناطات شبها بنا، فأطال النقل ثم أوضح اختياره الذي لا يغفل بقاء الانتساب للإسلام ووجود أغلب المجتمع من المسلمين ومصلحة بقاء وجوب الاسترداد، وما بين تأثير تنحية الشريعة واستبدالها، وخلص إلى أن لها وصف «أوطان اسلامية سليبة» وإلى بقاء القسْم عند رجوع الأوضاع الشرعية، وهو إقرار الناس على ما في أيديهم، لتلافي مشقة تصحيح أوضاع متشابكة بأثر رجعي، وإعطاء شرعية بديلة لجماعات العلماء والتيار الإسلامي لاسترداد الشرعية وإعطائهم شرعية المواجهة بما استطاعوا.

تكلم عن توجهات الدعوة بين الغلو والتفريط، والنظر إلى أحوال الأمة وخصائصها في حالة الالتباس ما بين العصمة وبين الاندراس.

عالج رحمه الله بقية شُبه المرجئة والجهمية المعاصرة في الايمان والولاء والحكم، وأفرد لشبهة من يقول أن الأوضاع المعاصرة ليست ردا لشرع الله تعالى، أفرد لها فصلا مطولا وضح فيه معنى القانون ومن أين يستمد إلْزامه، وفي ضوء هذا يتضح معنى الدينونة والاستسلام وقبول الأحكام، وأوضح درجات ـ بل دركات ـ الانحراف عن الشريعة وبيّن أن أفحشها وأقصى درجاتها هو الدرجة المعاصرة وهو «إهدار اعتبار الشرع جملة» وهو رد الأمر لغير الله صراحة، وتغيير المصدر المشرع، واكتساب القانون للإلزام من غير الله بل واعتبار أن صدوره من غير الله مبرر لعدم الإلزام به ورفضه وكونه في الدرجة الثالثة من حيث الإلزام بعد القانون وبعد العُرف، بحيث يبطل حكم القاضي لو حكم بالشريعة وهو يجد في القانون ثم العرف ما يحكم به في المسألة المعروضة.

فما صدر عن المشرع الوضعي تعبيرا عن إرادته هو في الدرجة الأولى الإلزامية به يُحكم ويقضى في الدماء والأموال والأعراض، وما صدر عن الله تعالى تعبيرا عن إرادته درجته أقل من ذلك يأتي بعد القانون بدرجاته الثلاث ثم العرف ثم تأت الشرعية مبادئ لا أحكام تفصيلية!.

ردّ على المرجئة المعاصرة بخصوص تفسيرهم لطاعة الأحبار والرهبان التي تعتبر شركا بأنها الطاعة في الاعتقاد، وبيّن خطأ وسقوط هذا القول كما أوضح خطورته التي يرمي اليها قائل الشبهة ومثيرها.

ثم ختم الكتاب بالرد على جماعات وتيارات الغلو وقسمهم فريقين:

الأول: التكفير بالمعصية وهي عقيدة الخوارج ورد عليهم بما وُرث عن سلف الأمة وبما اجتهد فيه كذلك.

الثاني: التكفير بالتوسع في المناطات، بأن يقولوا بقول أهل السنة ثم يتوسعون في المناطات حتى يكفّروا بها عموم المسلمين أو قطاعات واسعة من المجتمع أو يتوقفون في شأنهم.

وكانت آخر نقطة تناولها هي شروط وخطوات الاستدلال بالمصلحة المرسلة لإثبات القول بها وإثبات القول بالقياس، ردّا على أهل الغلو من جانب، ومن جانب آخر بيانا لأهميتهما في الاجتهاد الفقهي للتطبيق المعاصر للشريعة.. لبيان سعة مصادر الاجتهاد لئلا يُلجأ دائما إلى استصحاب الأصل فتخلو المناطات من الأحكام الشرعية وقد يُستبدل بها قوانين وضعية لتملأ الفراغ التشريعي.

أخذ هذا الكتاب عدة سنوات كتب فيها الشيخ الكتاب، وسنوات أخرى في المراجعة والتصحيح، حتى أُرهق كثيرا، فجزاه الله خيرا، وقد أثقل تلاميذه عليه في بعض النقاشات فكانت الاستفادة تعظم والحمد لله.

كنا نكثر أن نطلب منه أن تكون بعض الكلمات بخط سميك أو يكون تحتها خطوط للفت انتباه للقارئ، لأهميتها، لما نراه من علم غزير وقواعد مهمة فكان يكرر: «لا تفترضوا الغباء في القارئ، ولكن احترموا عقله ودعوه يفكر ويفهم ولا تطاردوه بكثرة التأكيد».. هيأ الله له منزلا في الجنة عاليا، لا صخب فيه ولا نصب.

كان يطمع أن يكون الكتاب دافعا للعلماء والدعاة لحسم ما أشكل وتأليف رسائل دعوية سريعة، والانطلاق نحو بناء الدولة  بعد حسم القضايا الشرعية والتوجه نحو القضايا الاستراتيجية..

---------------

 

([1]  ) عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلاَ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)

يقول الألباني: أخرجه أحـ2، ص 317، رقم 8188. قال: حدَّثنا عبد الرزاق بن همام حدَّثنا مَعْمر عن همام بن منبه، فذكره. المسند الجامع

وعن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الامة ولا يهودي ولا نصراني لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار فقلت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في كتاب الله عزوجل فقرأت فوجدت (ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده) وفي رواية فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة.

رواه الطبراني واللفظ له وأحمد بنحوه في الروايتين، ورجال أحمد رجال الصحيح ، والبزار أيضا باختصار.

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الامة ولا يهودي ولا نصراني ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار قلت هو في الصحيح ولفظه لا يسمع بي أحد من هذه الامة يهودي ولا نصراني رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.مجمع الزوائد

وقال النوويُّ أيضًا في «شرح صحيح مسلم» جـ2، ص 188، رقم 154. في شرح حديث: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» : «وأما الحديث ففيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة» أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما؛ وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى.