الشيخ عبد المجيد الشاذلي.. رؤية سياسية راشدة

بقلم شريف محمد جابر | 17 يونيو, 2015

سوف نستعرض في هذا المقال الصغير عدة نقاط مهمّة أكّد عليها الشيخ الأستاذ عبد المجيد بن يوسف الشاذلي - رحمه الله - في كتابه المهمّ «الحكومة الإسلامية: رؤية تطبيقية معاصرة»، هذه النقاط ينبغي أن تتصف بها الحكومة الإسلامية المعاصرة – مع عوامل أخرى بطبيعة الحال - لتكون حكومة راشدة وناجحة في ظلّ الواقع المعاصر الذي تعيشه الأمة، وقد قمت بتلخيص هذه النقاط من كتابه المذكور وهي:

- التأكيد على حاكمية الشريعة لمنع العبث، بحيث تكون الشريعة مصدرا إلزاميا (وليس ماديا كما هو في الدساتير الحالية) موجها للحاكم والمحكوم والقاضي على السواء.

- الأمة تختار من يحكمها بشكل مستقل، وليس كالنظام البرلماني الذي تختار فيه الكتلة الحزبية النيابية رئيس الوزراء فيشكل الحكومة؛ وذلك منعا للاستبداد البرلماني الذي يجعل مجلس النواب بغالبيته من حزب الرئيس فتنعدم الرقابة الجادة.

- الحاكم أو الرئيس (الإمام تاريخيا) هو سلطة "تنفيذية"، دوره رعاية المصالح في إطار الشريعة وسياسة أمور الأمة،  ولا يتدخل في "سن القوانين" (التشريع)؛ منعا لتسييس الدين، أو خضوعه للأهواء والرغبات الشخصية.

- استقلالية التشريع (التقنين والاجتهاد) عن الإمام؛ كي لا ينشأ الاستبداد وتسييس الدين وتطويعه ليوافق أهواء الحاكم، وتكون الأمة هي المسؤولة عن "تفسير الدين" ممثلة بمجلس أهل النظر والاجتهاد من علمائها المجتهدين وقانونييها وخبرائها وأمنائها الذين يصوغون مصالحها واحتياجاتها ومشكلاتها ويوصفونها كمتخصصين لتقدم للعلماء المجتهدين بغية استنباط الحكم الشرعي، ويكون دور القانونيين صياغة هذه الأحكام كقوانين جاهزة للتطبيق، ولا تكون مهمة "تفسير الدين" موكلة للحاكم الفرد؛ منعا لتسييس الدين كما ذكرنا، ويكون أعضاء هذا المجلس مستقلين لا ينتمون لأحزاب سياسية ولا يعملون بالسياسة درءًا للشبهات وزيادة في الحرص على النزاهة.

- استقلالية القضاء.

- تحديد صلاحيات كل سلطة (التنفيذية – التشريعية – الرقابية – القضائية) حتى لا تتغول سلطة على الأخرى وتلغي دورها.

- وجود سلطة "رقابية" ممثلة بمجلس نيابي (مجلس أهل الحل والعقد تاريخيا) يتم اختياره من قبل الأمة بانتخابات مستقلة تعبر عن إرادة الأمة، وتكون شروطهم: تمثيل الأمة + الكفاءة + العدالة. ويكون دورهم محصورا في: الشورى الملزمة للرئيس وحكومته + الرقابة والحسبة، ومنها الرقابة المالية ومراقبة سياساته + لهم حق عزل الرئيس (أو الإمام) في حال انحرافه واستحقاقه للعزل بالشروط الشرعية، وكذلك هم من يرشح الأشخاص المؤهلين لمنصب الرئاسة لتطرح أسماؤهم على الأمة لتختار من يحكمها. وبهذا الشكل يتحقق دور الأمة في اختيار من يحكمها وعزله إن انحرف وممارسة الحسبة والرقابة الجادة عليه.

- توسيع نطاق مشاركة الأمة خارج التمثيل النيابي مثل الاتحادات: طلابية عمالية نسائية، والنقابات المهنية والغرف التجارية، ومراكز البحوث علمية وتقنية واستراتيجية واجتماعية، كذلك منابر الرأي ورؤساء العشائر والمناطق النائية والأقليات الدينية، وشخصيات لها قبول لدى الأمة، ومؤسسات رقابية. وطرح فكرة "الطرف الثالث" بين السلطة والأمة، وهم القوة الصامتة المحايدة الخارجة عن الانتماء الحزبي وغير الخاضعة للسلطة أو لأهواء الشعب، ولها من الحصانة والقوة والاستقلال ما لا يجعلها تميل مع طرف من الأطراف عند الفصل في النزاعات أو غير ذلك من المهام، وهي تمثل الخطاب الجماعي الوارد في القرآن، أي تحرُّك الجماعة كهيئة اعتبارية، ويُمَثَّلون بجهات كثيرة مثل: الأمناء والخبراء والحكماء والمرجعيات وأهل الحل والعقد وأهل النظر والاجتهاد وأهل الثقة والرشد والشرف وقيادات الجيش ورجال القضاء وشيوخ القبائل والعشائر ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والاتحادات والنقابات على تنوعها.. إلخ.

- أهمية الابتعاد عن نظام الحزب الواحد، والتزام "التعددية" وتداول السلطة في إطار حاكمية الشريعة؛ وذلك لتوسيع إطار مشاركة الأمة وتمثيلها، ولإثراء العمل السياسي والإدارة السياسية بالمهارات المتنوعة، ولتحقيق قيمة التعاون على البر والتقوى، وكذلك لفشل سياسة الحزب الواحد تاريخيا وتسببها في سقوط الأمة وارتهانها لقوى دخيلة أو قوى مستبدة تعبث بمقدراتها.

- أن يكون الوضع "المدني" فوق الوضع "العسكري"؛ وذلك لتجنب الأخطاء التاريخية القاتلة التي أصابت الأمة حين هيمن العسكر عليها، وحديثا حين قامت الحكومات العسكرية المتسلطة.

- تحديدات دستورية لهوية البلد وثقافتها ونظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ حتى يبقى نطاق الخلاف مع التداول السلمي للسلطة محدودا لا يؤثر على مستقبل البلاد وعلاقاتها، وكل ذلك داخل إطار الشريعة لأن مجالات الاختلاف في فهم الشريعة واسعة لظروف تاريخية أثرت على اختلاف المفاهيم بشكل سلبي خارج نطاق الخلاف الإيجابي.

- النصّ على منع التأميم المطلق المفضي إلى الاشتراكية العفنة، والنصّ على منع الاقتصاد الحرّ اللبرالي الذي يؤدي إلى الرأسمالية المتوحشة.

- تحقيق التوازن بين ثلاث قُوى: السلطة + أجهزة الدولة + الأمة، فلا تَطغى السلطة وتَنفرد بقرارها عن الأُمة، فيؤدِّي ذلك إلى الاختراق والخيانة، وتعطيل الشرع، وضياع الحقوق، ولا تَطغى أجهزة الدولة - كالجيش والأمن والشرطة - فيَعدو الأمر كما آلَ إليه الوضْع في فترات تاريخيَّة طويلة لهذه الأُمة. ولا تَضعُف السلطة والأجهزة، فتَشيع الفتن في الأُمة، وتَعُم الفوضى؛ مما يؤدي إلى القضاء على الدولة.

- الحفاظ على الحقوق والحريات وتحقيق الرحمة والعدل في إطار الشريعة، وهي قيم أساسية حُرمت منها الأمة على مدى قرون طويلة خصوصا في الآونة الأخيرة.

تنويه: كثير من الفقرات مأخوذ حرفيا من الكتاب، مع التصرف بشكل كبير أحيانا؛ اختصارا وتجميعا وتيسيرا، لكن المضمون كله مستفاد من الكتاب. أما مصادر هذا التصور فبعضها إسلامي؛ من الكتاب والسنة وتصرفات الخلفاء الراشدين في سياساتهم، وبعضها استفادة من التجارب التاريخية وتعلما منها، واستفادة من الواقع وتجاربه وخبراته وإمكاناته وظروفه برؤية شرعية. ولمزيد من التفصيل حول الرؤية التطبيقية الشاملة لشكل الحكومة الإسلامية الراشدة يرجى قراءة الكتاب.

5 صفر 1435هـ الموافق 09/12/2013 م عكا

المصدر: موقع رابطة النهضة والإصلاح