الحكومة الاسلامية

كتب الشيخ هذا الكتاب بعد الثورة وبعد فتح النقاش حول شكل الدولة المنشودة بعد الثورة وتقدم الاسلاميين في البرلمان ثم خوضهم تجربة الانتخابات الرئاسية.

كتبه رحمه الله كنصيحة مقدمة تحمل بعض ملامح الشكل السياسي المعاصر كتطبيق للنظام الإسلامي في العصر الحديث بعد الفجوة العلمانية التي أعقبت سقوط الشكل التاريخي للخلافة الإسلامية.

نص رحمه الله في البداية أن الكتاب يمثل ورقة عمل للإضافة ومزيد النقاش واستكمال القضايا المطروحة.

كما أكثر النقل عن المعاصرين احتراما لإجتهاداتهم وجهودهم وما قدموه، ليبني عليه ويبدأ من حيث انتهوا.

ثم تكلم عن دولة الخلافة الشرعية نظريا قبل أن يعرج على الواقع الموجود، وذكر صفات الإمام ومعاونيه وجهازه التنفيذي، ثم دور أهل الحل والعقد، وصفاتهم من التمثيل والعدالة والكفاءة، ودورهم من الشورى والحسبة وحق العزل والاختيار، ثم ذكر أهل النظر والاجتهاد ودورهم في تقنين الشريعة والاجتهاد الحديث، ثم ذكر الصفات والشروط الشرعية للخليفة.

ثم ذكر طرق اختيار الخليفة ومرونة الأمر في الإسلام مستدلا بتعدد طرق اختيار الخلفاء الراشدين، وأن هذه المرونة ـ كطرق مختلفة ـ مقبولة في الإسلام بشرط تحقيق التكليف الشرعي المتمثل في تحقيق الشورى والاختيار الحر للقيادات التنفيذية، وناقَش هذه الاختيارات بشيء من التفصيل.

عرج إلى موقف سعد بن عبادة لبيان المعارضة السلمية المقبولة في إطار الأطر الشرعية المحددة وحقوق هذه المعارضة وواجباتها.

كما حقق اختيار الصديق وأنه اختيار شرعي وقدري، اختيار حر موافق لما يحبه الله تعالى، وأفاض في بيعة الصديق لأنها أول الخلافة والطعن فيها طعن في مبدأ النظام السياسي الاسلامي.

كما أعاد الإشارة إلى شأن المتخلف عن البيعة، ونقل تحقيق ابن تيمية في الكلمة المنسوبة لعمر  -رضي الله عنه-  في أنه أمر بقتل الستة الذي فيهم الشورى إن لم يبتوا الاختيار، بيّن أن نسبة هذه الكلمة إلى عمر  -رضي الله عنه-  كذب، وإنما أمر عمر  -رضي الله عنه-  بقتل من انفرد ببيعة دون مشورة المسلمين، منعا من التغلب وإسقاطا لشرعيته، بعكس ما ساد بعد ذلك في التاريخ الاسلامي.

بين رحمه الله الانحراف التاريخي الذي حدث في شأن الشورى وأنه بدأ بإهدار قاعدة الشورى ثم إقرار شرعية التغلب، ثم إقرار شرعية التفرق لأن من المتغلبين من يتغلب على بقعة دون أخرى، ثم اختزال دور الجماعة في السلطة وعدم التفريق بينهما، ثم الصبر في مقابل الكذب والفجور والنفاق والظلم والاستبداد والطغيان واستحلال الدماء والأموال، ثم تحويل الخطاب الجماعي في التكاليف الشرعية الموجهة إلى الأمة في هيئة جماعية وليس في هيئة فردية، وإسقاط الخطاب الجماعي للهيئة الجماعية، ثم تهميش دور الأمة، وبالتالي سقطت الأمة في يد العدو.

بين واجبات الخليفة.

ثم أوضح خصائص دولة الخلافة وأنها:

ـ حاكمية الشريعة قبولا وتحكيما وتحاكما، وأنها مع الشعائر راجعة إلى العقيدة حزمة واحدة، وأثرها الراجع إلى تميز الدولة الاسلامية الحديثة من حيث التقنين والتشريع، وبالتالي المرجعية والمصطلحات، عن الدولة الغربية الحديثة.

ـ ومن الخصائص وحدة ديار المسلمين، ووضوح معنى الأمة الواحدة، ورجوع هذا المعنى إلى الولاء المرتبط بالعقيدة وارتباط الوحدة بها وقيام الهوية عليها.

وذكر ما يترتب على هذا من عدم جواز تفريق الأمة أو تمزيقها، ووجوب مناصرة المسلمين في كل مكان، وحرمة إعانة الكفار على المسلمين.

وأوضح في هذا المجال صورتين لتحقيق الخلافة الشرع، هي: الصورة المركزية، وهي الصورة التاريخية، وصورة التحالف الذي يوزع القوى والأعباء والمصالح توزيعا حقيقيا وعادلا على بلاد المسلمين للحفاظ على أمنها وسلامتها وهي الصورة القريبة من الاتحاج الأوروبي لكن بالصورة والثوابت الاسلامية والقيم الربانية.

فرق رحمه الله بين التنازع الجائز أو الواجب، وبين التنازع المحرم الآثم وأوضاع القتال المحرمة.

ـ تطرق إلى خصيصة أخرى وهي الطرف الثالث الذي يجب أن يملأ الفراغ بين الأمة والسلطة، ويساعد على تحقيق الهيئة الجماعية المنوط بها الكثير من الأحكام الشرعية العامة والتي تضمن عدم انحراف السلطة والأمة وتحقق مصالحها، ونص على مكوناتها، وهي قريبة من منظمات المجتمع المدني، ولها قوتها وأدوات تأثيرها، وتحقق صورة قريبة من الديمقراطية التشاركية في بعض الدول من حيث شكل المؤسسات وتوازن القوى بينها لمنع الاستبداد، لكن مع سيادة وحاكمية شريعة رب العالمين.

كما ذكر مهام الطرف الثالث: الصلح بين طرفي النزاع خاصة لو كانت السلطة أحدهما لتحقيق قوله تعالى (فأصلحوا بينهما)، الفصل في النزاع، امتلاك سلطة ترشيد الراعي والرعية.

ثم ذكر خصيصة التعددية في النظام الاسلامي ودلل عليها ونقل الجزء الذي كتبه في هذا الصدد في كتابه «الطريق إلى الجنة» وأعاد التأكيد على شروط الجماعات الاسلامية أو الأحزاب الاسلامية لتكون في الإطار المحمود وضوابط ذلك، وإلا خرجت إلى الإطار المذموم ووصف الفرقة المحرم.

ثم استطرد في بيان دليل التعدد؛ فبالإضافة إلى ما سبق، أوضحه كذلك في التعدد في المدارس الفقهية واختلاف اجتهاداتها، وعليه  فالاجتهاد في مصالح المسلمين يقبل التعدد كذلك.

تكلم بعد ذلك عن الواقع، وعن الدولة القُطرية المفروضة كوضع استثنائي وبداية لإقامة وعودة الشرعية الاسلامية.

تكلم عن الحاكم في الدولة القُطرية وأنه ليس خليفة كما يفهم البعض بل هو بمنزلة العمال زمن الخلفاء، وأن الأمة اليوم تنوب علن عمل الخليفة من حيث تعيينه وعزله وعلى هذا فلولايته ضوابط محددة:

فطالب الولاية لا يولى، وليس له إلا ما خصص له كما ورد عن نبي الله  -صلى الله عليه وسلم-  ، ثم ما ورد عن عمر  -رضي الله عنه-  في تحديد حقوقه المالية، وأنه ليس له أن يعقد أحلافا تضر بقية أو أحد أقطار المسلمين، وأن للأمة حق توليته وعزله وتحديد مدة حكمه.

أوضح أن الشكل الأقرب للدولة الاسلامية القُطرية المعاصرة هو الشكل الرئاسي دون البرلماني وأوضح عيوب النظلم البرلماني من حيث وجود الاستبداد البرللماني لتجمع سلطتي الرقابة والشورى مع السلطة التنفيذية في نفس الحزب، وإمكان التوريث ووجود أسر حاكمة برلمانيا (مثال الهند وباكستان) وإمكان استمرار رئيس الحكومة عقودا، ووجود الجيش حاكما ومشرفا على هذا فيوجد استبداد مقنن «تركيا»، مع كون حكوماته ائتلافية هشة لا تقوى على المشاريع الكبيرة والعملاقة، وتصبح الأقلية فيه مهددة للأغلبية بالانسحاب فتنهار الحومة في أي لحظة، وهو عكس الوضع الطبيعي للأغلبية «لبنان».

أوضح اختصاصات رئيس الجمهورية في النظام الاسلامي.

كما اشار إلى المرونة في اختيار الحاكم ما بين الاختيار المباشر أو عن طريق البرلمان أو الملكية الدستورية استيعابا للتنوعات الموجودة ما بين جمهوريات وملكيات.

أوضح دور السلطة الرقابية وأنها متمثلة في المصطلح الاسلامي «أهل الحل والعقد» بالشروط والوظائف السالف ذكرها ـ صفاتهم من التمثيل والعدالة والكفاءة، ودورهم من الشورى والحسبة وحق العزل والاختيار ـ ثم ذكر أهل النظر والاجتهاد ودورهم في تقنين الشريعة والاجتهاد الحديث.

أشار رحمه الله إلى السلطة التشريعية وتمثلها في مجلس أهل النظر والاجتهاد، وأنه في الوضع المعاصر يتكون من ثلاث عناصر: علماء مجتهدون، وخبراء لتوضيح المصالح والوقوف على المناطات الحديثة، وقانونيون للصياغة القانونية، وأن المقترحات القانونية سواء منهم أو من الحاكم أو من غيرهم توجه إليهم، كتمثيل لحاجة الأمة إلى الاجتهاد، وأوضح دورههم في التقنين للنصوص الشرعية والثوابت، والاجتهاد لما يستجد.

ثم اشار إلى السلطة القضائية واستقلالها والتأكيد على عدم تسييسها.

أكد على عدم استئثار حزب أو جماعة بتفسير الشريعة أو الاجتهاد بل هو حق للأمة كلها ممثلة في علمائها المجتهدين الذين لا ينتمون لحزب معين، ولا يُختارون على أساس حزبي بل على أساس الكفاءة العلمية والتقوى.

بناء على التعدد أشار إلى دور الأحزاب الاسلامية من الحفاظ على الثوابت، ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتقديم البرامج والكفاءات القيادية في العمل العام

أشار إلى أهمية تحديد الدستور للهوية والنظام السياسي والاقتصادي حتى لا تتأرجح بين الحكومات المتعاقبة، ثم أشار إلى التوازن بين الأمة والسلطة والأجهزة، كما أشار إلى وجوب التماسك الاجتماعي، وأعاد الاشارة إلى الطرف الثالث وإلى عدة ثوابت مهمة، وإعادة الحديث عن الطرف الثالث مقصودة بسبب الإهمال التاريخي لدور الجماعة بين السلطة والحاكم من ناحية وبين الأمة ناحية أخرى.

ـ ثم ناقش رحمه الله عدة مغالطات وشبهات

فرد على اتهام الدولة الاسلامية المنشودة بالثيوقراطية ففندها ورد عليها، ثم أشار إلى أشكال أخرى من الانحراف غير الثيوقراطية وحذّر منها، وبين أن المتهمين للدولة الاسلامية بالثيوقراطية واقعون في أشكال أخرى من الانحراف بل أشد.

رد على مقولة «لادين في السياسة ولا سياسة في الدين» وبين انحرافها العقدي ومخالفتها لطبيعة دين الله تعالى، ثم بين المعاني الصحيحة لعلاقة الدين بالسياسة وهي إخضاع الحياة لحاكمية الشريعة وشمولها، وتحصيل مصالح المسلمين بالسياسة الشرعية، وسياسة أمورهم بما يكونون معه أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد. ثم أوضح المعنى المذموم لعلاقة الدين بالسياسة وهو تطويع الدين مطية للأغراض السياسية المتقلبة وهو على غرار تسييس القضاء أو العلم أو الرياضة أو غيرها من مجالات الحياة، وهوأمر مفسد عموما.

أشار إلى سوءات تجربة العلمانيين خلال قرن من الزمان، وأن الصواب أن تكون هناك فوبيا من العلمانيين لا فوبيا الاسلاميين، بسبب الكم الهائل من التخلف والفساد والاستبداد وتبديد المقدرات والتبعية للغرب في هذه التجربة المريرة.

تطرق الى قابلية الاستخفاف في الأوضاع الظالمة الفرعونية وأن للإسلام رسالة في تحرير عقول الناس واحترام حرياتهم، وتربية الأمة على رفض الاستخفاف.

كما أشار الى خطورة الديمقراطية العسكرية التي تعطي صورة زائفة للحرية وهي ستار للإستبداد.

أشار رحمه الله إلى نقل كان يهتم به كثيرا، من كتاب مايكل مورجان عن المسلمين «تاريخ ضائع» وهو ينص على كيفية تقدم الغرب وأنهم كانوا بمأمن من الغزوات المدمرة التي مر بها المسلمون من الصليبيين والتتار وتقدموا تقدما بطيئا متراكما عبر ثمانية قرون، ونص مايكل مورجان على أن تقدم الغرب وتخلف المسلمين وجهان لعملة واحدة. وكان الشيخ رحمه الله يهتم بهذا المعنى كثيرا ليقف الناس عليه ويعرفوا كيف يفكر الغرب بل ويعرفوا سيكولوجيته.

ثم علق على هذا النقل بتحليل عميق يبين خطورة الاستبداد والتغلب والاقطاع العسكري الذي رد المسلمين عن الثورة الصناعية التي كانوا مهيئين لها قبل أوروبا بقرون.

ختم رحمه الله بالنظر إلى المستقبل بطريقة علمية بها تحديات وبها مبشرات.

ثم ختم أخيرا بنقل عن الأستاذ محمد قطب رحمه الله عن آليات وضمانات الحقوق والتنفيذ وأنها متمثلة في التربية على الاسلام، لأن نفس المنطق يستخدمه العلمانيون وهو وجوب التربية على الديمقراطية، فإن كان لا بد من التربية في كل حال فلماذا نربي على ما يخالف عقيدتنا وينذر بدمار دنيوي وأخروي، فثمرة الجاهلية نكدة ومرة. والاسلام هو مستقبلنا.

في كل هذا نقل عن كثير من المخلصين المعاصرن الجادين والباحثين عن حل لخروج الأمة من مأزقها التاريخي ومحترما جهد الآخرين.