تاريخ الدولة و الدعوة (8) ..

بقلم محمود أبوعجيلة | 14 يونيو, 2015
مثلت هزيمة 1967 منعطفا فاصلا في تاريخ المنطقة العربية، حيث نجحت إسرائيل في سحق الجيوش العربية وفي مقدمتها الجيش المصري، وخسر العرب القدس والضفة وغزة وسيناء والجولان، وذلك في أقل من ستة أيام

مع غيبة الوعي وفقدان الهوية ووجود الالتباس تمَّت المخططات ...

إذاً كل ما طلبه الشعب من الأحزاب السياسية من مصالح قومية حققوه على يد عبد الناصر ، فصنعوا منه بطلاً جماهيرياً أسطورياً ، فلم ينادي بالجلاء بل حقق الجلاء ، و لم ينادي بالعدالة الاجتماعية بل حقق العدالة الاجتماعية ، ولم ينادي بالتمصير و لكن حقق التمصير ، ولم ينادي بالتصنيع ولكنه حقق التصنيع .. إذاً الحلم صار حقيقة على يديه ، وأصبح بطلاً جماهيرياً أسطورياً سحب البساط من تحت الأقدام فوقف علي أرض صلبة ..

لابد من إشباع الشعور القومي .. يفتعلون معه معارك وينهزمونَ أمامه ، يهاجمونه ثُمَّ يعتذرون له ، فصنعوا منه بطلاً أسطورياً ، جمع آسيا و إفريقيا وعمل وِحده مع العراق ، لقبوه بصلاح الدين الأيوبي و الرجل الإلاهي ، و تجمع الشعب حوله و انحسرت التجمعات الشعبية من وراء الأحزاب وتمَّت عملية الاستقطاب على أتم وجه ، ثم هي في الحقيقة انتفاشات كاذبة ، لكن الواقع يقول أنَّ الغرب لم يكتفي بما حققه عبد الناصر بل انقلب عليه فمنع عنه صفقة السلاح فأتى بالسلاح التشكيى ، وامتنع عن تمويل السد العالي فأمم القناة ، ثم حدث العدوان الثلاثي الذى أجبرته أمريكا على الانسحاب ، ثم حدثت الوحدة مع سوريا وفَجَّرَ الثورة فى اليمن و أصبح زعيماً للوحدة العربية و أحد الأقطاب الثلاثة مع " نهرو تيتو " والذين يمثلون العالم الثالث ضد الغرب ، و وصل فى النهاية إلى مرحلة كاد أن يُسجَد له فى الشوارع وحدثت فتنة كبيرة للأمة مع عدم وجود فرقان واضح بين العلمانية والإسلام ، ووقعت حالة التباس للحركة الإسلامية فى هذا الوقت لدرجة أن الإخوان المسلمين الذين أدخلهم عبد الناصر السجون أرسلوا له برقيات بالدم ، حتى ضباط الإخوان فى الجيش المعتقلين أعلنوا أنهم عسكريون و أفنوا حياتهم مدافعين عن البلد فى القناة وفلسطين وأنهم يريدون أن يحاربوا خلف عبد الناصر لأنهم يؤمنون بالقيادات الحكيمة و أنهم لا يقولون هذا الكلام خوفاً منه أو أملاً فى الخروج من المعتقلات ، حتى أن الإخوان فى سوريا بعد إتمام الوحدة بين مصر و سوريا قال أحد زعمائهم " لقد غفرت الوحدة لعبد الناصر" ..

مع غيبة الوعي وفقدان الهوية ووجود الالتباس كانت هناك فرصة ذهبية لكل هذه المخططات أن تسري كسريان النار فى الهشيم ، ومع رفع الالتباس ووجود الهوية ووجود الوعي تصبح هناك صعوبة بالغة لأى من هذه المخططات أن تسري ، وهذا هو دورنا نرفع الالتباس وننمى الهوية ونُوِجد الوعي فنقطع الطريق على خطط الأعداء فلا تستمر ..

ثم سارت الأمور بعد ذلك من هزيمة خمسة يونيو التى أفضت إلى انتكاسة ثم حدثت الثغرة فى حرب أكتوبر ثم كامب ديفيد ثم حرب الخليج إلى ما نحن فيه الآن ، فلولا هزيمة 5 يونيو لما كانت الثغرة ، ولولا الثغرة لما كانت كامب ديفيد ، ولولا الثغرة وكامب ديفيد ما كانت هناك فرصة لحرب الخليج وانقسام العرب على بعضهم البعض .. هذا التسلسل منطقي و خطوات تسير في اتجاه واحد ، لم يكن للأعداء أن يفرضوا علينا ما نحن فيه الآن إلا على مراحل حتى يتم هضمه وتقبله وتسير الأمور على حسب ما يريدونه دون معارضة من الشعب ...

العلاَّمة الأستاذ عبد المجيد الشاذلي - رحمه الله -