تاريخ الدولة و الدعوة (7) ..

بقلم محمود أبوعجيلة | 14 يونيو, 2015

لم تكن العدالة الاجتماعية مقصودة لذاتها !!!

العلاَّمة الأستاذ عبد المجيد الشاذلي - رحمه الله - :

لقد نادى الجميع بالعدالة الاجتماعية .. أمريكا وإسرائيل والغرب والشيوعيون ومصر الفتاة و الإخوان .. فالغرب جعل من " طه حسين " مناديا للاشتراكية فألف كتاب (المستضعفون فى الأرض) و تكلم فيه عن نماذج من الطبقات المحرومة والكادحة مع العلم بأنَّ طه حسين كان نكره و تكوينه غربي ليبرالي فكيف نادي بالاشتراكية ؟؟ لكن مرحلة ما قبل الثورة أراد لها الغرب أن تشتعل كلها بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية ، فولدوا عند الفلاح المحروم مطالب وحقوق و أفهموه أنه مظلوم وأنَّ مالك الأرض يظلمه ويأخذ عرقه وأنَّ العمدة لا يقف بجانبه وأنَّ هؤلاء الأغنياء يأكلون ويشربون ويتنزَّهون وهو يبيع فراخه و بيضه و سمنته و يعيش على الكفاف لينفق على أولاده فمن حقه أن يأكل ويلبس ويتنزَّه مثلهم ، فولدوا عنده شعور الاستهلاك وليس شعور الانتماء للإسلام ولا للقومية العربية و لا المصرية ..

كذلك العمال فى المصانع وضعوا لهم قوانين مفرطة فى الحماية وأعطوا لهم حقوق وضمانات كبيرة وإذا قصر العامل ليس عليه حساب ، فتولد نوع من التسيب وإشباع الرغبات ، فبدأ الفلاح أو العامل يفكر فى نفسه كطبقة وليس كأمه ، حتى عندما حدثت نكسة 67 لم يتأثر لأنَّ همه حقوقه وليس حقوق البلد لأنَّ هذا النظام أقنعه بأنه هو الذى أعطاه حقوقه وسمح له بتربية أولاده وتعليمهم و رفع أجره سبعة أمثال ما كان يأخذه قبل الثورة .. إذاً البلد يأخذها اليهود أو الأمريكان ذلك لا يهمه ، بل يهمه حقوقه و حقوق طبقته قبل حقوق الأمة ، لأنَّ حقوق طبقته ستنعكس عليه شخصيا . هذه الحقوق و المكاسب يمكن أن تكون على حساب بلدنا ، فإذا أخذ كل واحد مكاسبه و حقوقه ممكن أن نصل فى النهاية أن ينهار الاقتصاد ونبيع بلدنا ونوزعه علينا و نظل متمتعين بمكاسبنا حتى نفقد كل شئ إذا تولد لدينا شعور بالأخذ قبل الشعور بالعطاء وهذا هو الذى يدمر الأمة ، وليس فى مطالبته بحقوقه أو فى مطالبته بحياة كريمة حراماً لكن شعار الاستهلاك إذا لم يسبقه شعور الانتماء وشعور البناء يصبح خطراً على الأمة ، لكن لو سبق شعور الانتماء وشعور البناء شعور الاستهلاك وتضخم الإحساس القومي ثم بعد ذلك حدث الاكتفاء فسآخذ حقي فى العدالة وحقي فى العيش وهذا أمر طبيعي جدا ، و لهذا فتفجير الصراع الاستهلاكي وتفجير الصراع الطبقي فى أمة ليس لها هوية وفيها فقدان انتماء معناه ضياع كامل للأمة ، وهذه النقطة لابد أن تكون واضحة فى الأذهان تماما لأنَّ العدالة الاجتماعية شئ لطيف جداً ومحبوب جداً لكن للأسف لم تكن مقصودة لذاتها ..

بعد ذلك تعود الناس على الأخذ ، و وصلنا فى النهاية أنه لا يوجد شئ تأخذه لأنه لم تتم عملية بناء حقيقية فالكل يبحث عن حقوقه ومكتسباته ، وطالما أن النظام القائم يعطي له هذه الحقوق والمكتسبات فهو يؤيده سواء كان هذا النظام القائم يقوم بعملية هدم داخل البلد أو عملية بناء فلا يهمه ذلك ، وهذا النظام القائم كان يقوم بعملية هدم للبلد ومن هذا الهدم يعطي الحقوق ، ومثال هذا النظام كشخص مات أبوه وأصبح عمه ولياً عليه فأخذ عمه يبيع ملك هذا الشخص وينفق عليه وفى النهاية لم يجد هذا الشخص شيئا يأكله ، فلم يجعله يعيش على قدر حاجته وينصحه بأنَّ أرضه بدلاً من أن تكون فداناً تصبح فدانَيْنِ أو أكثر حتى عندما يكبر يجد ما يتزوج منه أو ينفق على إخوته ، وعندما لم يجد هذا الشخص من ملكه شيئاً وكان قد تعود على الرخاء فلا يقدر أن يعيش فقيراً فيوظف زوجته أو أخته إلى آخره ، وهذا ما فعله النظام فعندما باع البلد ليعطي للناس بعض المكاسب والناس قد تعودت على حياة الرخاء ووصلنا لمرحلة أنَّ المصانع لا تنتج و أنَّ الزراعة لا تعطي شيئا ولا نصدر أى شئ وكان البديل لكى يحافظ النظام للناس على مستواهم الذى تعودوا عليه أن لجأ إلى السياحة ففقدنا الهوية وفقدنا الانتماء ودخلنا فى ظاهرة الاغتراب فأصبح كل فرد لا يهمه من حوله و لا يهمه الصالح ولا تهمه الجماعة الأم و لا يهمه الانتماء القومي و لكن الذى يهمه هو مكاسبه الطبقية التى تنعكس عليه فتصبح مكاسب فردية ، فنما فيه الشعور بالمكاسب الطبقية ، و حاربوا الانتماء القومي أو الهوية و أوجدوا الاغتراب فأصبح الشخص ليس له هوية أو انتماء فكيف تُبنَى أمة من أمثال هؤلاء ؟

لقد أشعلوا الصراع الطبقي و السعار الاستهلاكي وفى نفس الوقت عمقوا حالة الاغتراب وفقدان الانتماء ، عكس ما حدث فى اليابان حيث حققت الرخاء والكفاية وأصبحت هناك وفرة تغطي الجميع فلم يوجد سعار ولا صراع ، لأنَّ الصراع يأتى من قلة الموارد فإمَّا أن تأخذ أنت أو آخذ أنا فنتصارع على الأخذ ، لكن إذا كانت الموارد كافية فستكفيني وتكفيك فى هذه الحالة لا يوجد صراع لأنك بنيت أولاً .. قبل أن تقول للإنسان لك حقوق قلت له عليك واجبات وأنك لبنة فى أمة فلك هوية ولك انتماء وفى هذه الحالة نكون قد ملئنا الفراغ فلا يوجد مغترب فأوجدنا أمة حول محور استقطاب قوي أى جمعنا أمة لها قوميتها ، لها عطاءها ، أفرادها لهم فاعليتهم ، صنعوا حضارة فأصبح عندهم كفاية وعندهم وفرة ، ومن الوفرة تحققت العدالة و الكفاية و الكل أخذ وانتفت أى مبررات للصراع الطبقي أو السعار الاستهلاكي بل بالعكس تعود الشعب أن يقتصد فى استهلاكه حتى بعد تحقيق الوفرة ، و الحكومة كما فى اليابان تحاول تشجيع الناس على الاستهلاك وتعطي له أجازات إضافية و لكنه يرفض ، أما نحن عكسنا الصورة هدمنا البلد وأغلقنا المصادر وجففنا ينابيع الوفرة وأصبح كلنا يأخذ و فى النهاية لم نجد شيئاً نأخذه وهذا كان هدفا رئيسياً أرادته إسرائيل وأمريكا قبل الثورة.. إذاً العدالة الاجتماعية التى كان يريدها الشعب كانت مطلوبة لهم أيضا ومن هنا يمكن أن نقول أن الأهداف الأربعة التى تجمع الشعب بسببها حول الأحزاب كانت تتفق مع المطالب الأمريكية والإسرائيلية !!!