مناقشة الإرجاء فى الإيمان ( القيود ) ومناقشة التكفير وأهل الغلو فى مسائل الإيمان

13 يونيو, 2015

تابع/

مقارنة بين منهج أهل السنة وبين مناهج الإرجاء أو مناهج التكفير فى الفهم والإستنباط

فوائد :

1 . كما قلنا اتباع الدين أصلان : أن يعبد الله وحده، وأن يُعبد بما شرع على ألسنة رسله فى كل وقت بما أمر به فى ذلك الوقت ؛ فلا يسع إنسان يؤمن بالله سبحانه وتعالى إلا أن يعبده على شريعة رسول فى كل وقت بما أمر به فى ذلك الوقت.

 إذاً معني مجيء شريعة رسول أن الخروج عن الشريعة المحكمة إلى الشريعة المنسوخة أو الدين المبدل فيما يعبد به الله أو فيما يقيم القسط بين الناس كفر مباشرةً و ابن تيمية قال ذلك فعلاً : الذى يطيع على التبديل كتغيير حكم الخمر أو إباحة الزنا . فاليهود غيروا الحكم فقط من الرجم إلى الجلد والتحميم لكن بقى الأمر محرماً ، لكن هذا أباحه أي نقله من التحريم إلى الإباحة ، فالذى يتابع على هذا ويطيع فى هذا كافر أي يخاطب به فيقبله ويرضى بمعنى أن لا يعلم الله من قلبه أنه كاره لأن التبديل إما أن الإنسان يقدر عليه هو بنفسه فيأتيه هو بنفسه مثل الذي يخرج عن الكعبة إلى الصخرة أو يخرج عن الجمعة إلى السبت بعد أن نُسخ فيكون هذا قد بدَّل أي خرج عن الشريعة المحكمة إلى الشريعة المنسوخة أو الدين المبدل هو بنفسه أو يُخاطَب من غيره لأن إقامة شرع الله أو إقامة غير شرع الله أمر كفائى.

 لذلك اليهود قالوا : تعالوا نجتمع على أمر نجعله فى الشريف والوضيع فينا ، فاجتمعوا على الجلد والتحميم . لكن ممكن أن فرد يخرج عن السبت إلى الجمعة أو الجمعة إلى السبت أو الصخرة إلى الكعبة أو الكعبة إلى الصخرة ، هذا فعل ممكن أن يتم فردياً لكن الخروج عن الرجم إلى الجلد أو التحميم لا يمكن أن يتم فرضياً . إذاً هذا معني " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباًمن دون الله " أنهم خوطبوا فقبلوا ؛ خوطبوا بشرع غير شرع الله بديل عن شرع الله كدين منسوخ أو مبدَّل فقبلوا التبديل، وكل خطاب يُخرج عن شرع الله يقبله فرد من فرد هو تبديل لأن كل مسألة لربنا سبحانه وتعالى فيها حكم . لذلك الذي يقبل أن يُخاطَب بشرع غير شرع الله بديلاً عن شرع الله  رغبةً عن شرع الله إلى غيره أو عدلاً بشرع الله غيره هذا كفر مباشرةً. أما كون القاضى قضى وهو راضٍ بهذا ومتابع وغير كاره ولا مُنكِر فهذا طبعاً كفر بهذا الأمر، أما إذا كان فعل هذا الفعل وهذه ضرورة عيش أو منصبه أو كذا وهو كاره ومنكر لتبديل الأحكام الشرعية بأحكام وضعية استعاضةً عن شرع الله فهذا أمر آخر. والتبديل ليس  معناه التبديل فى الدين نفسه بوضع جزء مكان جزء و لكنه إسقاط اعتبار الشرع جُملة.

* *  *

2 . عملية الردة عن الشرائع درجات :

أ - أقواها إسقاط اعتبار الشرع جُملة . إسقاط اعتبار الشرع جُملة معناها أن المادة الشرعية نفسها قد تكون مقبولة كمادة شرعية؛ فحكم الشفعة مثلاً قد يكون مقبولاً كقانون لكن صدوره عن الله سبحانه وتعالى لا يعطيه صفة القانون فلا يأخذ صفة القانون إلا إذا صدر عمَّن يملك حق الإصدار ويكون موافق لمبادىء الدستور، فهو يرضى عن المادة لكن لا يعطيها صفة الشرعية من حيث صدورها عن الله لأن هذا لا يجعلها قانوناً . متى تأخذ صفة القانون؟ عندما تصدر عنه ، ثم أنه يلزم القاضى فى هذه الحالة أنه لا يحكم إلا في حالتين (شرطين): إحداها من المشرع الوضعى رضى عنها فسلخها عن الشريعة وألحقها بالقانون فيقولوا عنها أنها ارتقت من المصدر الإحتياطى الثانى إلى المصدر الرئيسى الأول وأصحبت مُلزمة كقانون وأصبح القاضى ملزم بها كقانون يحكم به ؛ قانون وضعى مصرى وليس له علاقة بالمصدر سواء من الشريعة أو من الإنجيل أو من التوراة أو من العرف هو عنده داخل الكود كقانون مستوفى صفة القانون من حيث صدوره عمن يملك حق الإصدار ومطابقته لمبادىء الدستور أو موافقته لمبادىء الدستور.

 إذاً فى هذه الحالة ليس عنده اعتراض عليه كقانون يحكم به وهذا يسمونه المصدر الرسمى بغض النظر عن مصدره المادى ، فإذا حكم به كقانون يحكم به كقانون سواء كان هو نصاً واضحاً أو نصاً غامضاً يحتمل التفسير أو بروح القانون نفسه فلا يترك القانون إلا إذا افتقد ما يحكم به فى موضع النزاع من النصوص ولو كان نصاً غامضاً يحتمل التفسير أو روح قانون ؛ إذا ترك القانون ذهب إلى العرف وإذا لم يجد فى العرف يذهب  للشريعة الإسلامية وإذا لم يجد فى الشريعة الإسلامية يذهب لمبادىء العدالة والقانون الطبيعى ، فإذا خالف القاضى هذا الترتيب يبطل حكمه لأنه قدَّم ماحقه التأخير و أخَّر ما حقه التقديم . فإذا جاء المشرع و رأي مادتين ما من الشريعة الإسلامية :

- مادة يحصل فيها نزاع كثير مثل الشفعة والقانون ليس به حكم فيها : فيجد القاضى نفسه باستمرار يترك القانون ثم يترك العرف ويلجأ إلى الشريعة ، فيقول لك وأنا لماذا أجعله  يلجأ للشريعة وهي مصدر احتياطى ثانى وأنا أستطيع أن أريحه وأحذف هذه المادة من  من الشريعة وألحقها بالقانون . فكانت أول الأمر الشريعة مصدر رسمى ومادى لها ثم يأخذها من الشريعة فتصبح الشريعة مصدر مادى ويصبح القانون مصدرا رسميا وتكون فى المصدر الرئيسى الأول بدلاً من أن كانت فى المصدر الإحتياطى الثانى ويقولوا عنها ارتقت من كذا إلى كذا فتصبح ملزمة .

- المادة الثانية التي من الشريعة ولم يسلخها لا يستطيع القاضى أن يحكم بها إلا إذا افتقد مايحكم به فى القانون الرئيسى ثم القانون الفرعى ثم العرف ثم يأتى للشريعة الإسلامية يحكم بها فى هذه الحالة وإذا حكم بها مع وجود مايحكم به فى القانون يكون هذا مبرراً  لإبطال حكمه لأنه خالف الدستور .

فواحدة أصبحت ملزمة له كقانون، أي في المصدر الرئيسي الأول وواحدة أصبحت فى المصدر الإحتياطى الثانى.. والإثنان صادران عن الله سبحانه وتعالى.

 التي أصبحت فى المصدر الرئيسى الأول لم تأخذ هذا الوضع إلا بعد أن انسلخت عن الشريعة كمصدر رسمى لأن صدورها عن الله سبحانه وتعالى يجعلها فى المصدر الإحتياطى الثانى، وانسلاخها عن هذا الصدور وصدورها عن المشرع الوضعى تعبيراً عن إرادته نيابةً عن الأمة يعطيه صفة المصدر الرئيسى الأول . هذا إذاً يسمي إسقاط اعتبار الشرع جملة وتقديم غيره عليه أي رغبوا عن شرع الله إلى غيره فقدموا غير الله عليه حيث أن اللجوء إلى الشرع يكون مبرراً لإبطال الأحكام .

 ب - الوضع الثانى الذي ليس فيه إسقاط الشرع جملة مثل ما فعله اليهود حيث أزالوا   الرجم ووضعوا مكانه الجلد والتحميم فهذا يكون تبديل شرائع (تبديل جزئي) .

ج - الوضع الثالث الذي هو ردة عن الشرائع هو إسقاط الوجوب أو الإباء من قبول الفرائض أو إسقاط التحريمات مثل ثقيف عندما قالوا حلِّل لنا كذا وكذا أو مثل مانعى الزكاة، لكنهم أسقطوا الوجوب فقط ولم يبدلوا شرائع .

هذه الثلاثة أوضاع فى نطاق الكفر والعياذ بالله سواءً كانت اسقاط اعتبار الشرع جملة أو تبديل الشرائع أو الردة عن الشرائع .

د -  هناك وضع رابع داخل نطاق الإسلام وهو الذي ليس فيه تبديل ولا ردة لكن مجرَّد امتناع عن التنفيذ، والممتنعون عن الشرائع يُقاتلون حتى يفيئوا وهؤلاء "على شفا جرف هار" لكن حتى هذا هو لم يرتد ولم يبدِّل ولم يُسقط اعتبار الشرع جملة .

الوضع الذي نحن فيه هو اسقاط اعتبار الشرع جملة ، فالذى يتابع على هذا ويرضى به ويقبله أشد كفراً من الذي يتابع على تبديل الشرائع مثل اليهود أو يتابع على ردة عن الشرائع لأنه يُخاطَب بشرع بدلاً من الشرع . أما ابن تيمية فلم يتكلم عن الطاعة فى الإعتقاد أبداً ولكن قال أنه ليس هناك كفر فى المعصية إلا مع الإستحلال ، لكن الطاعة على التبديل كفر مباشرةً سواء كان هذا التبديل تبديل الدين أو الإستعاضة عن الدين بغيره وهذه أشد من أن يبدِّل فى الدين أي يُحرِّف . فلا يسع إنسان أن يخرج عن شريعة الرسول بمعني أن يرغب عنها أو يعدل بها ، فالخروج يكون خروج فيما يملكه هو من نفسه فى الفروض العينية أما فى الفروض الكفائية مثل الجلد والتحميم فهناك من يُخاطِب بهذه الشريعة وهناك من يقبل هذا الخطاب ، فالذي يقبل هذا الخطاب عن رضى وطواعية ناجٍ والذي يُفرَض عليه الخطاب فرضاً ويعلم الله من قلبه أنه كاره هالك رغم خضوعه.

* *  *

3 . تعرض القاضي لأن يحكم بشرع غير شرع الله أمر خطير ولكن إذا كان فى هذا المنصب ومعلوم عنه أنه يكره ويُنكِر تبديل الشرائع وأنَّ هذه ضرورة عيش أو ضرورة عمل أو كذا وأنه يحاول قدر الإمكان أن يبث العدل حسب الشريعة فهذا لا نكفِّره . وكان هناك قضاة مسلمين لا نستطيع أن نكفرهم وحكموا بأحكام شرعية وحُوسِبوا عليها وهناك من اعتزلوا وهذا متروك لضمير القاضى المسلم نفسه ولكننا نقول الحكم الشرعى فقط ولا نتكلم فى الحكم عليه.

* *  *

4 . حديثاً عندما فهم بعض الناس أن الشريعة مصدر رسمى أو المصدر الرئيسى للدستور  فأقام دعوي الحسبة ضد الرجل الذي ارتد ليطلِّقَ منه امرأته فرُفضت الدعوة على أساس أن دعوى الحسبة لا يعترف بها الدستور وتعترف بها الشريعة وهم لا يأخذونَ بالشريعة لأنَّ دعوى الحسبة منافية لمبادىء الدستور. ثُمَّ أنهم قالوا أنَّ كون المشرع يقول الشريعة مصدر رسمى أو مصدر رئيسى فهذا خطاب إلى ضمير المشرِّع وليس خطاباً إلى القاضى ؛ بمعنى أنَّ المشرع يقول له حاول أن تسترشد أو تستلهم الشريعة . لكن المشرع يختار مايشاء سواءً استلهم أو لم يستلهم أو فهم خطأ أو فهم صح أو فهم سنِّى أو بدعى أو أخذ أو لم يأخذ ماخدش أو خد، مادام هو قد شرَّع يصبح القانون قانوناً بصدوره عمَّن يملك حق الإصدار. هنا من يملك حق الإصدار؟ مجلس الأمة أو مجلس الشعب أو المجلس الرئاسى كان فى دورة انعقاد والدورة صحيحة بثلثي الأعضاء وشروط الإنعقاد صحيحة فإذاً حق الإصدار هنا واضح . لكن افرض أنَّ المجلس لم يجتمع وخرج قانون بإسمه يكون القانون باطلاً لأنه صدر عمَّن لا يملك حق الإصدار. هذا مثل العقوبات البدنية لما عمل بها أحد القضاة وجلد حوسِب على هذا وقالوا له أنت أخطأت خطأً فاحشاً وخالفت مبادىء الدستور لأن الدستور المصرى يُحرِّم العقوبات البدنية ويعتبرها نوعا من التخلف أو الإنهزامية أو عدم الإعتراف بحقوق الإنسان فيحرم تحريماً مطلقاً أى عقوبة بدنية ، فقالوا له أن الحكم مخالف لمبادىء الدستور ، فعندما يصدر القانون مخالفاً  لمبادىء الدستور يكون هذا مبرراً لإبطاله حتى لو صدر عمن يملك حق الإصدار . فلنفرض مثلاً أنَّ مجلس الشعب المصرى أصدر قانون بجلد شارب الخمر يمكن المحكمة الدستورية العليا أن تبطل القانون لأنه مخالف لمبادىء الدستور والدستور له دورة انعقاد خاصة بثلثين الأعضاء غير القانون العادى . فالدستور حاكم على القانون.. ويكون هذا  مبرراً لإبطال الحكم.

 القاضي يعرض القانون علي محكين: هل صدر عمَّن له حق الإصدار، وهل هو موافق لمبادىء الدستور، أما مسألة هل هو موافق للشريعة أم لا ليس من اختصاصه إطلاقاً فهذا خطاب للمشرِّع أن يستلهم وله أن يفعل وله ألا يفعل، وفى طريقة استلهامه لا أحد يسأله كيف استلهم  ولا يسأله عن الضوابط التي يستلهم بها.

  لكن يبقى المؤمن مؤمناً بأن يعلم الله من قلبه أنه كاره ودلالة هذا الكره الإعتزال وعدم المشايعة بالعمل وهذه ليس لها علاقة بموضوع الإعتقاد تماماً والله سبحانه وتعالى أعلم.

* *  *

 

ثانياً : مناهج التكفير

   عندما تكلمنا عن الضوابط الخاصة بالتكفير قلنا أنه لابد فيها من أحكام المناط أي  تنزيل الحكم على مناطه. فلابد أن نعرف أولاً أين هو المناط أو الوصف المناسب المؤثر، ثم نعرف هل حققناه ونقحناه أم لا ثم نصل أخيراً إلي نفى خصوصية المحل ومزاحمة الأوصاف ونعرف أنَّ هذا هو المناط بالضبط؛ فقد نفهم أحياناً بعض الآية أو النص أنَّهُ المناط ولا يكون هو المناط كما فى قول الله سبحانه وتعالى : " إنما النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله.." يكون المناط الحقيقى للفعل المكفر هنا من أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله فهو كافر " إنما النسىء زيادة فى الكفر" ؛ ليس النسىء نفسه ولكن معني  تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرَّم الله . الخمر مثلاً إنما سميت خمر بصفة الإسكار فيها فالخمر تكون المحل لكن صفة الإسكار فى الخمر هى المناط فلو تخللت الخمر فصارت حلاً، لذلك يُقال (ما جعل خمراً فى هذا العقد خلاً ) بمعني أنَّ الحرام الذي فيه تحوَّلَ إلى حلال لأن صفة الإسكار التي فيها انتهت بتخللها كأنها تأكسدت فتحولت من كحول إلى حامض فلم تبقي مسكرة ، فمناط التحريم هو الإسكار أي الوصف . لذا عندما نتكلم عن المناط يكون هو مناسب مؤثر، ليس المحل كما في قول الله سبحانه وتعالى عن اليهود فى الآية الأخرى " لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داوود وعيسي ابن مريم  ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " فهذه كلها محل لكن الوصف الذي يستحق اللعن والكفر فيهم هو موالاة الكافرين "ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ماقدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون" ، "ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليهم مااتخذوهم أولياء " ؛ إذاً الوصف المناسب المؤثر للحكم هو موالاة الكافرين ،  فنحن هنا أخرجنا خصوصية المحل وأخرجنا مزاحمة الأوصاف بعملية التنقيح. وقد يأتيك أحياناً الوصف المنقح فالآية تأتى به أو النص يأتى به منقحاً قد انتفى عنه مزاحمة أوصاف أخرى وقد انتفت عنه خصوصية المحل كما في  " السارق والسارقة " ، " الزانية والزانى " فهنا (مناط) واضح لا محل ؛ لا يتكلم عن بنى إسرائيل ولا عن فلان أي ليس كما في " زنى ماعز فرجم " وكذا، يتكلم عن شخص " أو سرق فلان فقطع " هذا محل أيضاً لكن المحل الذي بالتنقيح تعرف أنه قطع من أجل كذا . هذا مثل الرجل الذي وضع التراب على رأسه وشق ثوبه ولطم خدوده وقال : واقعت على امرأتى فى رمضان ، فقال : عليك كفارة ؛ فالكفارة هنا من أجل ماذا ؟ هل من أجل لطم الخدود أم شق الجيوب أم وضع التراب على الرأس أم الصياح أم الوقاع فى رمضان ؟ ، فبتنقيح المناط يُعرَف أنَّ الوقاع فى رمضان هو المناط أي وصف المناط المؤكد له حكم الكفارة والباقى كله أوصاف ملغية، لأنه بعد التنقيح يكون هناك وصف مؤكد ومجموع الأوصاف ملغية أي دخولها مثل  خروجها ليس لها علاقة بموضوع الأحكام سواءً كانت هذه الأوصاف قائمة أو غيرها معها أو ليست قائمة أو ذُكِرَت أو لم تُذكر فيتضح بعد التنقيح أن هذه الأوصاف ملغية لا تأثير لها فى الحكم والوصف المناسب المؤثر فى الحكم هو كذلك بعد التنقيح. هذه هي عملية التنقيح، وهي مهمة جداً بالتحقيق أي تقديم الدلالة الإصطلاحية على الدلالة العرفية، والدلالة الإصطلاحية يسمونها حقيقة شرعية أو حقيقة إصطلاحية أما الدلالة العرفية فتُسمَّي الدلالة الإستعمالية وتُقدَّم على الدلالة القياسية أو الدلالة اللغوية.

 (الدلالة اللغوية) هذا هو المعنى القياسى حسب المعنى الذي فى القاموس لأن دلالة الألفاظ تتنوع بدلالة استعمالاتها. عندما تقول ( رأس ) فلها معني ولكن عندما تقول : رأس الجبل ورأس الخطمة فهنا تتنوع الدلالات ، أو العين مثلاً : كلمة العين معناها الجاسوس أو العين معناها البئر والعين معناها الأرض التي هى موضع النزاع وهذه دلالات استعمالية تُفهَم من السياق. إذاً المعنى الإستعمالى المستفاد من السياق يكون عرفياً ، والمعنى المأخوذ من القواميس يكون لغواً قياساً ، والمعاني الإصطلاحى مثل الصلاة والزكاة لا هى عرفية ولا استعمالية أي ليست استعمالية حتى تكون عرفية ولا هى لغوية حتى تكون قياسية ولكنها  اصطلاح شرعى أي حقيقة شرعية معناها اصطلاحى فنقدِّم هذا علي ذاك ونأخذ الحكم أي نُحقِّق المناط. فى قول الله سبحانه وتعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " لابد أن يتحدد المعنى: هل هو مطلق المخالفة الشرعية ؟ هل أي معصية يرتكبها أو ضلالة يعتقدها ؟ هل هو التفريط فى الإجتهاد أو الجور فى الحكم ؟ لأن كلمة (يحكم ) كما نعرف لها أكثر من معني : فلها معنى فياسى هو بمعنى يختار و لذلك سمُّوا أصحاب الأخدود المحكَّمين لأنهم خُيِّروا فاختاروا ، فكل من خيِّر فاختار فقد حُكِّمَ فحكم ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى قالوا وأينا يأبى ، قال من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى فقد أبى )..إذاً هذا الذي يرتكب مخالفة شرعية سواءاً كانت ضلالة يعتقدها أو معصية يرتكبها يكون قد خُيِّرَ فاختار، فكل فرد يخالف الشرع بأى معصية حتى لو كانت صغيرة يكون قد حكم بغير ما أنزل الله . إذا قلنا أنَّ هذا هو مناط الحكم والحكم ينقل عن الملة سنُكَفِّر إذاً بمطلق المعصية وهذه عقيدة الخوارج المعلوم بطلانها من الدين بالضرورة .

    إذاً الخطأ الذي ممكن أن نقع فيه هنا هو تقديم المعنى القياسى على المعنى العرفى أو على المعنى الإصطلاحى ؛ فلننظر إلي المعنى الإصطلاحى أولاً فإن لم نجد نبحث عن  العرفى ، إذا وجدت الإصطلاحى والعرفى متفقين يكون المعنى هنا قويا جداً.

وحتي الدلالة الإصطلاحية إن لم تتفق معها الدلالة العرفية وخالفتها تكون مقدمة عليها، لكن لو كانت الدلالة العرفية مستفادة من السياق لأنها تتنوع بتنوع السياق تكون الدلالة العرفية معناها دلالة استعمالية والدلالات تتنوع بتنوع الإستعمالات. فإذاً كل استعمال له دلالة عرفية متصلة به، فإذا وجدنا الدلالة الإصطلاحية واضحة سنجد الدلالة العرفية مستفادة من السياق مؤكدة لها ولا يمكن أن تختلف معها أبداً. إذاً من الخطأ اللجوء إلي الدلالة اللغوية مع وجود اتفاق بين العرفية والإصطلاحية وهذا هو الذي أوقع الخوارج فى عقيدتهم وهي عملية التكفير بالذنب، ولذلك فهم انطلقوا إلى آيات وضعت فى الكفار فجعلوها فى المسلمين كتغيير حكم الله؛ يكفرون ويقولوا كفرت الرعية ويكفرون الأمة بهذه الموضع وهذا هو وجه الخطأ فى الموضوع . خطؤهم هنا كان فى فهم المناط ؛ فعندما نزِّل الحكم على غير مناطه وسَّع المناط جداً والمناط ضيق لا يتسع لهذا وليس هو المناط الذي جاء به الشرع ، فهذا وَسَّعَ المناط فنزِّل الحكم على غير مناطه فكفَّر من لا يستحق التكفير .

إذاً كلمة (يحكم) بالدلالة الإصطلاحية هي : حكم أو خطاب الشارع إلى المكلفين بالإقتضاء والتخيير والوضع.  إذاً " من لم يحكم " أي

1) (من لم يشرع ).

2) أو ( يجتهد ) كما في " حكمك حكم أصحابك" ، لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أطرقة " ومثل " وداود وسليمان اذ يحكمان فى الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان " – لأنه اجتهاد أحدهما أصاب فله أجران والآخر أخطأ فله أجر – " وكلاً آتينا حكماً وعلماً ".

3) أو ( يقضي ) كما في : " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ".

4) أو ( يختار ) .

 لكن حكم سعد عندما  قال له ( لا تحكم ، إذا سألوك حكم الله فحكم فيهم بحكم أصحابى ) لم يقل له حكم الله لأنه  قد يخطىء ، قل لهم هذا حكمى أو اجتهادى ولعله خطأ يبقى منى ومن الشيطان وإذا كان حق فمن الله سبحانه وتعالى لأنك لا تدرى ماحكم الله ، لعلك تخطىء فعندما تخفر ذمتك أفضل من أن تخفر ذمة الله سبحانه وتعالى فتتفق معهم على أمر تحسبه حكم الله وهو ليس من حكم الله. إذاً هذا حكمى إلا إذا كان واضح أنه حكم الله فقل لهم لأنه هو حكم الله فعلاً من حيث مبنى على قواعد الفهم ، وهو حكمك من حيث أنه اجتهادك  خرَّجته من قواعد الطرح ، وقد يكون هذا التخريج خطأ أو صواب فينسب الحكم إلى أنه حكم الله وحكم فلان أي يجتهد ، وحكمه هذا لأنه راجع إلى حكم الشرع، لأنه راجع إلى النص أو ما دلَّ عليهم أو ماحمِّل عليهم بطرق الإجتهاد . فالذي حُمِّل على النص بطرق الإجتهاد كالرسول "صلى الله عليه وسلم أو بالسنة أو بأى شيء يكون راجعاً إلى حكم الله سبحانه وتعالى.

إذاً أولاً نحدد معني ( يحكم ) ثم نقدِّم المعني الإصطلاحي ( يشرِّع ) على المعني العرفى. لذا فقد كانوا يراودون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُغيِّرَ الحكم فإذا كانت الجهة التشريعية والجهة القضائية منفصلة سيذهبون لمراودة الجهة التشريعية.

 الموضوع إذاً ليس عند المحكمة من الباب الخلفى بل سيذهب لمجلس الشورى أو مجلس الشعب. فهنا التشريع لم يترك فرصة للقاضى، لكن هؤلاء لم يستطيعوا الوصول إلي مجلس الشعب وقالوا أنَّ الشعب أصر علي الإستيراد بعد تحويل العملة وهذا يعتبر تهريب حسب القانون فيذهبوا للقاضى لإثبات عدم حدوث استيراد وينكروا الوقائع ثم يبدأون الكلام فى الوقائع وفى عدم صحة الإثبات والدليل والشبهات ويناقشون الشبهات فتكون المناقشة فى الوقائع وليس فى القانون حتي يجد القاضى مخرجاً، لكن إذاً كانت الوقائع ليس فيها مناقشة والتهمة ثابتة تكون المناقشة فى القانون .

     إذاً هنا كلمة (يحكم) غير قصة ابن أبيرق الذي قام بإلباس اليهودي تهمة سرقة الدقيق وجاء الناس إلي الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا له أنَّ واحداً من المسلمين شهِدَ عليه فقال أنه كيف يشهد على واحد من بيت عرف بالصلاح والتقوى ومن الأنصار والدليل واضح والجرة دليل مادى على أن اليهودى هو السارق كما أنَّه كيف يسرق المسلم ولا يسرق اليهودي ؛ يُبرَّأ اليهودى وتُلقى التهمة على مسلم من أهل بيت عرف بالصلاح والتقوى.

 إذاً فقد شككوا فى شهادة الشاهد وقاموا بزحزحة التهمة. فربنا سبحانه وتعالى عصم الرسول بأنه بيِّن له وجه الحق فى الموضوع لكن فى كلتا الحالتين القانون واحد ؛ لم يأتِ أحد ليغير عقوبة السارق وهى قطع اليد.

لكن هنا التهمة ثابتة على المتهم لكن يحاولون تغيير العقوبة نفسها كالتغيير من الرجم للجلد والتحميم.

 إذاً الدلالة العرفية هنا مستفادة من السياق وتكون ( يحكم ) بمعنى يشرع والدلالة الإصطلاحية يشرع ، فيكون اثنين منهما يشرع ضد واحدة يختار فهل أترك (يشرع) مرتين وأختار (يختار) مرة واحدة. فهنا ليس هناك فرصة أبدً ليحكم بمعنى يقضى ولا يحكم بمعنى يختار ولا يحكم بمعنى يجتهد، الثلاثة معانى منتفية، معنى واحد فقط هو الثابت هو (يشرع)، ومعنى " من لم يحكم " أي من لم يشرع للناس ماشرعه الله لهم. وهل أنا أُشَرِّع أم الله سبحانه وتعالي هو الذي ُيشرِّع؟ أنت الذي تشرع ولكن تشرع للناس ماشرعه الله لهم فتحل حلاله وتحرم حرامه لتقضى به فى مواضع النزاع. هذا هو المعنى وهذه هي طريقة الفهم الوحيدة التي يحصل بها انضباط، والذي يخرج عن هذا الإطار لابد أن يُخطيء، تحديد المناط تماما، ثُمَّ حكم " أولئك هم الكافرون " أولئك : تعريف ، هم :تعريف ، ال : تعريف ، فيكون الكفر ناقلاً عن الملة. هكذا الآية كاملة، كموازين رياضية أو موازين حسابية لا تقبل الخطأ ولا شعرة، وهذه هي الطريقة العلمية الدقيقة لفهم الآيات وفهم النصوص.

إذاً هذه الضوابط هي :

1 .الضابط الأول : تنزيل الحكم على مناطه : فنفهم ما ينقل وما لا ينقل وننزله على مناطه بنفس هذه الطريقة تنقيحاً وتحقيقاً واستخراجاً للوصف من المحل ومن الأوصاف الأخرى بالتنقيح ثم معرفة دلالة اللفظ نفسه بالتحقيق ثم تنزيل الحكم عليه ، هذا وصف مناسب مؤثر فيكون هذا مناط والحكم بين ماينقل وما لا ينقل انتهي .

2 . الضابط الثاني : ننظر للفعل : هل هو محرم ، له نواقض مكفرة لمعانى إفراد الله بما لايكون إلا لله أم لا ، هل هو ناقض لإفراد الله بما لا يكون إلا لله ؛ أي هل معنى الناقض متحقق فيها أو معنى الكفر الذى ينقل عن الملة تحقق فيها أم لا بالضابط الثاني .

3 . الضابط الثالث : هل هى محرمة تحريما أبديا خالدا : أم كان هذا الفعل مباحاً فى وقت ما وفى حال من الأحوال دون حال أخرى .

 فإذا كانت ناقضة لإفراد الله بما لا يكون إلا لله ومحرمة تحريما أبديا خالدا ومعنى الكفر الناقل عن الملة متحقق فيها بعد تنزيل الحكم على مناطه وبتحقيق المناط وتنقيحه ومعرفة الألفاظ التى تنقل والتى لا تنقل فإذاً قد اجتمع فيها الضوابط الثلاثة وتكون هذه من نواقض التوحيد والذي تنقضه يكون ركن من أركان التوحيد.

 فى هذه الحالة قد عرفنا الضوابط وعرفنا النواقض وعرفنا أركان التوحيد بهذه الآلية للفهم . آلية الفهم هذه أعطتنا ثلاثة أشياء : ضوابط ونواقض وأركان، وهذه هى الآلية المستخدمة فى الشرع كله لأنه كل شغل العلماء فى اجتهاداتهم راجع إلى : تنقيح المناط ، وتحقيق المناط ، ومعرفة ما هو المناط ، والأوساط المؤثرة والأوساط غير المؤثرة ، والمناسب وغير المناسب ، وطرق استخراج المناط ، وما العلة وأقسام العلة. الضوابط لابد أن تكون لفظية ولا أستطيع أن أقول الكفر هو الجحود أو الكفر هو التكذيب فكل هذا خطأ. الضوابط لفظية؛ قد يأتى الفعل لفظه لفظ كفر، قد يأتى لفظ نفى إيمان، قد يأتى نفى صلة، قد يأتى لفظ الشرك ، قد يأتى لفظ الضلال ، قد يأتى لفظ الظلم ، قد يأتى لفظ الفسق ، قد يأتى لفظ النفاق ، قد يأتى لفظ اللعن ، قد يأتى لفظ صيغة من صيغ العذاب الأخروى فكل هذا قد ينقل وقد يكون لا ينقل، فالخروج من الملة ليس متوقفاً على لفظ الكفر وحده، الخروج عن الملة يتحقق بألفاظ عدة: منها لفظ الكفر، منها لفظ الشرك ، منها لفظ النفاق ، منها لفظ الضلال ، منها نفى الصلة ، منها نفى الإيمان ، منها لفظ اللعن ، منها لفظ الظلم ، وقد يأتى بلفظ السيئة ولفظ الخطيئة " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته " كون السيئة هنا سيئة الكفر. فكل هذه الألفاظ قد تفيد بقرائن أو بدون قرائن النقل عن الملة أو غير النقل عن الملة فأفهمها أولاً ؛ أفهم متى ينقل هذا اللفظ ومتى لا ينقل ، فعندما أعرف بالضوابط متى ينقل ومتى لا ينقل فلا بد أن أنزله على مناطه.

 إذاً الذي سيجنح للتكفير سيُوسِّع المناط كما قلنا أو كل الألفاظ التي تأتى بمعنى الكفر أو فيها شبهة خروج عن الملة وقد تكون فيما لا ينقل فيكون قد كَفَّرَ من لا يستحق التكفير ونفى الكفر العملى والمجازى وكفر دون كفر ونفى الكفر الأصغر ونفى كل هذه المسائل وهى واقعة فى الشرع كالطعن فى الأنساب والنياحة علي الميت وكل هذا الكلام.

 إذاً هذا غلو لأنه أطلق التكفير بألفاظ لا تنقل عن الملة أو أطلق التكفير بألفاظ تنقل الملة لكن نزلها على غير مناطاتها فوسع المناط. إما أن:

1) يأخذ لفظ لا ينقل عن الملة وينزله على مناطه الحقيقى.

2) أو يأخذ لفظ ينقل عن الملة ويوسع المناط وينزله على غير مناطه.

3) أو الشيء الثالث ألا يراعي الضوابط بمعني أن يأخذ ضابط واحد فقط وهو تنزيل الحكم على مناطه ويتقنه كما أتقناه لكن يهمل الضابطين الآخرين: أن يكون محرماً تحريما أبديا خالدا وأنها تكون ناقضاً لإفراد الله بما لا يكون إلا لله ؛ فيأخد رأيا ويتعصب له ويكفِّر من لا يكفِّر به وقد يكون موضع اختلاف بين العلماء مثل تكفير تارك الصلاة لأننا قلنا الصلاة عبادة كأنها طاعة والتقصير فيها معصية وإفراد الله بها توحيد وإشراك غيره معه فيها شرك ، أو صرفها إلى الله وحده توحيد ، صرفها إلى غير الله معه أو من دونه شرك . إذاً التوجه بها إلى غير الله شرك لكن التقصير فى أدائها ليس شركاً ، لكن التقصير فى أدائها جاءت نصوص تفيد أنه كفر فيختلف العلماء ويقولون لَكَ التقصير فى أدائها ليس شركاً والله تعالي قال " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". ولذلك البخارى قال (المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر مرتكبها أو لا يكفَّر مرتكبها إلا بالشرك) فلا تكفير إلا بالشرك وهذه ليست مختصة أي غير متحقق فيها معنى الشرك ولا متحقق فيها معنى التكذيب أو الجحد حتى يكون كفراً، ويفسره بالشرك بعد ذلك أو يدخله مباشرةً على أنَّه ناقض من نواقض توحيد الربوبية فيكون شركاً من هذا المنطلق. الذي ينظر من هذه الجهة ويجد النصوص ليست على التكفير وأنَّ هناك بعض النصوص يُفهم منها أو يُشتمّ منها عدم التكفير رغم أنه ذنب عظيم جداً، (جاء في معنى الحديث) (أول مايُنظر فى عمل المرء الصلاة فإذا كانت صالحة.. ) يتجاوز ربنا عن الباقى فإن لم تكن صالحة فيعذب ، يفهم أنه ليس مجرد ترك فريضة واحدة يكفر بها بل لا بد من (الإجماع على الترك) أو أن هذا  مأخوذ على التغليظ أو مأخوذ مثلاً على الزجر.

 العلماء أيضاً اختلفوا فيها والأئمة اختلفوا : الامام أحمد يكفر تارك الصلاة ، الإمام مالك والشافعى وأبوحنيفة لا يكفرون تارك الصلاة ؛ عند أبي حنيفة لايقتلونه والآخرون يقتلونه حداً لا كفراً.

 الذي لا يعرف الضابطين الآخرين قد يكفِّر أبا حنيفة ومالك كما يحدث من بعض الناس الجهلة الآن ويقول (من لم يكفِّر الكافر فهو كافر ) وهؤلاء لم يُكَفِّروا تارك الصلاة فيدخل فى قاعدتين خطأ فيتوهم وهذه هي المسألة. لكن لو هو فهم الضوابط التي تكلمنا عنها لم يكن ليقع في هذا الخطأ ويعرف أنَّ (المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر مرتكبها إلا بالشرك)، فالذين يُكَفِّرون بها يُكَفِّرون بها من وجهين:

- إما أنها بالدلالة: مادام النص قال أنه كافر دلَّ هذا على انتفاء الإيمان من قلبه ويعلم هذا الله، إذاً فهذه خصوصية النص بعيداً عن القواعد، والنص علي العين والرأس.

- أو لأنه أبى من قبول الفرائض: لأنه إذا هدد بالقتل لا يصلى فيكفر، أو بالإجماع على الترك؛ فيقيدونها ببعض القيود.

إذاً هذا راجع لفهم هذه الضوابط. فالذي لا يفهم الضوابط يُخطيء، لكن لو أنَّكَ حققت المسألة ووجدت الضوابط الثلاثة كاملة لن تجد العلماء يختلفون فيها أبداً؛ لا يختلفون أنَّ  السجود لغير الله كفر، أنَّ التحاكم لغير الشرع كفر، أنَّ الخروج عن الشرع والعدول عنه كفر، أنَّ موالاة الكافرين كفر، لا يختلفون فى هذا إطلاقاً وإن بدا فى  بعض النقولات فالذي يقرأ لا يفهم لكن من مقاصدهم وعباراتهم يعرف أنَّ هذه الضوابط الثلاثة  تحكم هذه المقاصد ولا يختلفون هم فيها.

 هذه المقدمة ضرورية جداً حتي نعرف الفرق.

 المرجئة يقعون فى نفس الخطأ ويقولون " من لم يحكم " بمعنى ( من لم يختار) فهذا معلوم بطلانه من الدين بالضرورة  تكون كلمة الكفر هنا مؤولة. إذاً يُخطِئون هم والخوارج فى المناط فأحدهما يجرى الحكم على ظاهره على غير مناطه فيضل، والثانى يؤول الحكم على مناطه وهو باطل وعلى غير مناطه فخطأ جاءَ مع خطأ أي أول الحكم تأويل وأوقعه على غير مناطه فيكفّر لأنه أصلاً ليس مناطه. هذا مثل قول الله سبحانه وتعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون فلو واحد أخطأ وقال أن الظلم هنا معناه هو الظلم العادى أي ظلم الإنسان لنفسه وظلمه لغيره فالبدء بالمياسر قبل البدء بالميامين من الظلم ولا يعرف النص الذي جاء فيه ولم يطَّلِع على سبب النزول ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الرواية المفسرة للآية وأَخَذَ بظاهر القرآن حسب اللغة التي يعرفها فعَرَّفَ الظلم فى اصطلاحنا العصرى الحديث الظلم هو الظلم فقال أنَّ الذي آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، آمَن: الإيمان المطلق، ومن (هو) غير ذلك ينتفى عنه الأمن والهداية، ففسرها ووسَّع المناط أي جعل الظلم يشمل ذلك كله. وجّه الأمن والهداية.. أوّلها، وقال: هذه ليس معناها (انتفاء) الأمن والهداية، أي انتفائها بإطلاق، لأن الناس يقعون فى المظالم، ومعلوم من الدين بالضرورة أن الظلمة هؤلاء ليسوا كفاراً. إذاً المقصود من نفى الأمن والهداية هنا ليس نفيهما بإطلاق ولكن حسب ما وقع فيه من المظالم، الحكم فى الآخِر سيكون صحيحاً لكن هو خطأ فى الموضعين أي:

1) أوّل الحكم، وهو خطأ لأن المقصود بالحكم هو نفى الأمن والهداية بإطلاق.

2) ووسَّع المناط، وهو خطأ.

 فأخطأَ فى الدلائل وأصاب فى المسائل لأنه أوّل على توسيع، فالتوسيع هو أصلاً يبقى له حظ منه. فالتأويل على توسيع جاء صحيحاً لكن لو التأويل على المناط نفسه يكون خطأً. قال لك أن الظلم هنا ظلم الشرك والمقصود ليس نفى الأمن والهداية بإطلاق لكن مادام هو مؤمن فمن الممكن أن يكون مشركاً مع الإيمان مثل بعض الناس الذين يفهمونَ من الآية أنَّهُ لو وقع الإنسان فى شرك أعظم وهو مؤمن أي مقر بالإيمان ويقول أى شيء فيه إيمان أو معه عقد إسلام أو يدَّعى الإسلام أو ينتسب للإسلام أو حريص على بعض الفرائض لكن وقع فى الشرك أي الشرك الصريح يبقي مؤمناً، لم ينفِ عنه وصف الإيمان والأمن والهداية لم ينتفيا عنه بإطلاق؛ إذاً هذا قد أخطأ فى الدلائل وفى المسائل ولكن الآخَر أخطأ فى الدلائل ولم يخطىء فى المسائل. لكن الذي يفهمها بصورة صحيحة يرجع للرواية ويري حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عندما قالوا له : وأينا لم يظلم ، قال " ليس بذاك " – فحَدَّدَ المناط - " ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح "إنَّ الشرك لظلم عظيم"  أو الرواية الأخرى " بظلمٍ..بشركٍ ". إذاً هنا (ظلم الشرك) وليس (مطلق الظلم) هو المعنِى بالآية، وهذا هو مناطها، وحكمها: نفى الأمن والهداية بإطلاق بذلك؛ فظلم الشرك منفى عنه الأمن والهداية بإطلاق لأنه كفر يُخرج من الملة، أمَّا ما دون الشرك من الظلم  له حظ من الحكم. هذا هو معنى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، لما قالوا كفر دون كفر وظلم دون ظلم وشرك دون شرك، لأنهم أخذوا حكما من الآية يناسب ما دون الشرك أو ما دون الكفر من الأسباب و لـ(يحكم) بمعنى الإختيار أو لـ(يحكم) بمعنى الإجتهاد أو لـ(يحكم) بمعنى القضاء.

     هذه الضوابط طبعاً ليست سهلة فهي عملية لا يتقنها ولا يعرفها الآن كثير من الناس، ومعرفة هذا العلم وإفشاؤه بين الناس ستنجيهم من كثير من الأخطاء ومن الإختلافات، وهذه مهمتنا أيضاً أن نُعَرِّفها للناس كما نعرفهم المسائل ونعرفهم الدلائل ومناهج أهل السنة فى الإستدلال.

 لذا عندما كتبت ( حد الإسلام ) بينت فيه منهج أهل السنة فى الإستدلال لأن الإستدلال الصحيح.. أنا من الممكن أن أتكلم على مسائل صحيحة لكن الناس لا تستطيع أن تتبين لأنه ليس عندهم دلائل صحيحة فلابد عندما نشرح قضية نبين المسائل الصحيحة فيها والدلائل الصحيحة فيها. فلذلك عندما تكلمنا عن الجهل مثلاً وقلنا أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية قد يكون أصاب فى المسائل لكن أخطأ فى الدلائل وخالف فيها العلماء، فالكثير من العلماء عندما يناقشون علماء آخرين لا يقتصر النقاش على المسائل بل يتعداها إلى الدلائل وإن كان المسائل قد أصاب فيها لكن الدليل نفسه.. لم يتناول المسألة التى أصاب فيها بدليل صحيح فلا بد من تصويب المسائل وتصويب الدلائل. الذي يعرف هذا سيكون عنده نوع من الإعتدال فى التفكير ولن يميل إلي جانب الشطط في التكفير وهذه المسائل.

 

* * *
 أخطاء يقع فيها أهل التكفير :

أولاً : أخطاء نتيجة الغلو في توسيع المناطات :

1 . الخطأ الأول : هو فى فهم قول الله سبحانه وتعالى : "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى": فلابد من الكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله أي يلزم  ترك الشرك والمعنى صحيح إلي هنا. ثُمَّ بعد ذلك يُفَسِّر الطاغوت كما يريد فيقول التعليم طاغوت والجيش طاغوت والدولة طاغوت والبئر طاغوت والشرب طاغوت والأكل طاغوت وركوب القطار طاغوت واستخدام أدواتهم طاغوت؛ فيُدخِل الطاغوت في كل ما يُريد ويُكَفِّر بالوظائف وبالتعليم وبالجيش وحتى بشرب المياه لأنه هناك فعلاً جماعة اسمها جماعة البئر لا تشرب من النيل لأنه تبع الطاغوت. كان أناس من ليبيا في الحرم فطلبوا من أحد الإخوة أن يكلمهم خارج الحرم لأن فيه مشركين وحول الحرم طواغيت وهم لا يجاورون المشرك لأن مجاورة المشرك والطواف معه موالاة له..

 فهل يستقيم هذا الفهم؟!

الكلام على الطاغوت وكل هذه المسائل على العين والرأس لأنها من  كلام الله سبحانه وتعالى ، وإذا كان ربنا سبحانه وتعالى قال على كلامه: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فلابد أن نحكم المتشابه بالمحكم ونبحث عن أحكام أي قضية لنري نقطة الإحكام فيها لنشبَّثَ بها ونفهم الباقى على ضؤها.

 أى قضية نبحث عن نقطة الإحكام فيها التي تحسم الزيغ فالناس تُدخِل التشابه على ما لا تشابه فيه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله زيغاً من عند أنفسهم ، وربنا سبحانه وتعالى يعطيهم اللغة وممكن أن تحملها على غير أوجهها، فهو لم يحمل الخطاب على غير الخطاب العربى أي أجرى الخطاب على مجرى الخطاب العربى والخطاب العربى كما قال الشاطبى قلما تجد فيه نصاً لا يحتمل فممكن أن تحمِّله ما تريد لكن يبقى وجه الكلام واضحاً.

 فوجْهُ الكلام نفسه في الخطاب العربى حتى من غير كلام الله سبحانه وتعالى إذا حملته ما لا يحتمل من كلام البشر يكون سياق الكلام نفسه ومدلوله وأوله وآخره، وهذا الكلام واضح من المعنى الإجمالى ليس المعنى الإفرادى، ولذلك معنى كلام العرب يُفهم ليس من تعددية الألفاظ حتي تقول اللفظ كذا وتعمل له ولكن يُفهَم من المعنى الترتيبى أو الإجمالى للسياق  الذى يتفق مع مراد القائل حسب ما يعطيه المعنى التركيبى او الإجمالى للسياق ليس بأن  تمسك كل لفظ وتقول هذا يحتمل كذا وهذا يحتمل كذا وهذه فى اللغة كذا فتحمّله ما لا يحتمل بتعددية الألفاظ وتتعامل معه لفظ لفظ وتفلسفه وتأخد منه معانى محتملة لا يحتملها  الخطاب على حسب السياق نفسه أو حسب المعنى التركيبى أو المعنى الإجمالى المستفاد من السياق.

هذا المعنى تكلم عنه الشاطبى فى كتاب المقاصد الخاص باللغة وبيَّنَ كيف نفهم مقاصد الشارع وخطابه على مقتضى اللسان العربى.

 إذاً هنا نقطة إحكام لا تقبل الجدل ولا الشك ولا كما فى قول الله سبحانه وتعالى "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" ، " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " فالإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره؛ هذه أشياء محكمة لا تحتمل أى كلام. عبادة الله واضح معناها، مسالك العبادة عرفناها قبل ذلك ، معنى العبادة بألفاظها والمسالك الأربعة التي نعرف بها التوحيد وآخرها المسلك المنضبط: هل هذا الفعل مُكَفِّر بهذه الضوابط؟ هل التعليم مُكَفِّر بهذه الضوابط؟  هل الجيش مُكَفِّر بهذه الضوابط ؟ المياه مكفرة ؟ القطر مكفر ؟ لا ، إذاً هذا الكلام لا قيمة له وليس له معني وافتراء على الله سبحانه وتعالى لأن معني العبادة بهذه الضوابط هو إفراد الله بما لا يكون الا لله فى معنى إرادى قصدى طلبى أو إفراد الله بما لا يكون إلا لله فى معنى خبرى علمى معرفى، إذاً هل هذا ناقض، محرم تحريم أبدى خالد ، تنزيل الحكم على مناطه بكذا وكذا وكذا.

 الذي يتحقق فيه هذه الضوابط ينقل عن الملة والذي لا تتحقق فيه الضوابط لا يكون كفراً وقد يكون حسنة أيضاً ؛ قد تكون من الأعمال التى يثاب عليها الإنسان وهو يكفِّر بها فأخ مثلاً وضعه بعض الناس لإختراق نظام وعمل أي من الأشياء التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان كتقية ففعل ما يناسب حاله ، والأسير المسلم أجازوا له أحياناً أشياء بمنطق الضرورة لا نقبلها بالمرة، والجاسوس مسلم فى دار الحرب يُباح له أشياء كثيرة بمنطق الضرورة حتي يخترق ويصل لأسرار خاصة بالمسلمين فى معارك ضرورية بيننا وبين الكفار أو فى مسائل مصيرية بضوابط الفقه والمسائل المختلفة فهل هذا نقول عنه قول ابن القيم (أطاعوه فى معصية الله ) أم هذه ضرورة لها أحكامها.

ابن القيم عندما يتكلم عنها يعطى معانى تربوية وليست معانى خاصة بالأحكام ، لكن المعانى الخاصة بالأحكام هى " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون "  ، " إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "  فحتى لو أنَّ إنسانا أطاع إنسانا أو وافقه فى غواية أو فى كبيرة لا يكون قد ارتكب بذلك كفراً، ولكن يمكن أن نقول أنه ارتكب معصية أو كبيرة ولا يكون هذا طاغوتاً لأنه أطاعه فى معصية الله.

2 . الخطأ الثاني : الذي يقعوا فيه هو (من لم يُكفِّر الكافر فهو كافر ).

 وهذه طبعاً كما نعرف ليست قاعدة شرعية، لا هى نص من الكتاب ولا نص من السنة، ونعرف قول الله سبحانه وتعالى " فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا " والمسلمون اختلفوا: فئة تراهم كفار ويتبرءون منهم، وفئة تراهم مسلمين ويتولونهم والرسول عندهم لاينهى إحدى الطائفين عن شىء حتى نزلت هذه الآية، فقال: ( إنها طِيبه ) – المدينة (وأنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد).

 هنا كان المناط  فيه خفاء لأنه لم يكن معروفاً هل هؤلاء  تركوا الهجرة ودخلوا فى ولاية الكافرين أم تركوا الهجرة ولم يدخلوا فى ولاية الكافرين؛ فمناط المظاهرة واضح لأناس وليس واضحاً لأناسٍ آخرين ، أناس حكموا وأناس لم يحكموا ولكنَّ الرسول صلي الله عيه وسلَّم فضَّلَ أن يترك الحكم لربنا سبحانه وتعالي حتي يفصل هذه القضية لئلا يبقي خلاف بعد ذلك وتكون المسألة واضحة وما زال الوحى يتنزل. هل هنا نقول أنَّ من لم يُكَفِّر الكافر فهو كافر ؟ لا؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُكَفِّر الكافر هنا وهذا واضح، والفئة الأخرى من المسلمين لم تُكَفِّر الكافر بل حكمت بإسلامه ودافعت عن هذا الحكم فهل هؤلاء كفار؟ لا أحد يستطيع أن يقول هذا، والذي يقول ذلك فهو كافر مباشرةً في هذه الحالة لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة بصحة إسلام هؤلاء وعصمتهم بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فيكون قد شَكَّ فى عصمة الرسول صلي الله عليه و سلم والشك فى عصمته كفر وتكفير الصحابة كفر، وهذه  قضية خطيرة. إذاً هنا عندما نقول (من لم يكفر الكافر فهو كافر) فهذه تنطبق مثلاً علي أنَّ اليهود والتصارى كفار ومن شَكَّ فى كفرهم فقد كفر لأنه إما يرجع إلى تكذيب النص الذي يقضى بكفرهم أو يرجع إلى رد أمر الله عليه الذي يحكم بكفرهم أي عدم قبول حكم أو تبديل خبر.

 عندما قال ربنا سبحانه وتعالى " إن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " لم يردّ المسلمون الحكم بل التمسوا التخفيف، والرسول صلى الله عليه وسلم خاف عليهم رفض التكليف، قالوا: كلفنا من الأعمال ما نطيق وهذه لا نطيقها وجاسوا على الركب ، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم ( أتقولون كما قال أهل الكتاب قبلكم سمعنا وعصينا ) ؛ هم لم يعملوا شيئاً والله يقول لهم إن فعلتم كذا وكذا سيحاسبكم به.. فلم يرفضوا، لم يقل لهم   صوموا أو صلوا فقالوا لن نصلي ولن نصوم كما قال اليهود "سمعنا وعصينا " ، لكن هم فى نفوسهم شىء من هذا الحكم أنهم لا يقدرون عليه فقالوا : بل سمعنا وأطعنا ، فلما قالوها وزلت بها أنفسهم نزل قول الله سبحانه وتعالى " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ووكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا "  فى باقى الحديث قال: "قد فعلت".