تابع مناقشة الارجاء في الايمان

13 يونيو, 2015

فبالتالى كل النواقض المكفرة لتوحيد الألوهية تبقي مؤولة ولا يكفر أحد بارتكابها فيكون  كأنه أثبت التوحيد ونفاه مرة أخري لأنه ليس هناك ضمان اثباته، فالذي لا يأتي هذا التوحيد يكون مسلماً ولو وقع فى كل ماينقضه، لكن الذي لا يأتي توحيد الربوبية ويقع فى ناقض واحد من نواقضه المكفرة يكون كافراً و ذلك لأن التوحيد عنده هو فى الحقيقة توحيد الربوبية فقط وليس توحيد الألوهية.

إذاً فهم يثبتون توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية ؛ توحيد الربوبية يثبتوه ظاهراً وباطناً وتوحيد الالوهية يثبتوه باطناً فقط دون أن يثبتوه ظاهراً ويؤول كل نواقضه المكفرة فالطعن فى الأنساب والنياحة على الميت وكل ما شابه ذلك فهو مؤول، وكل الأشياء التي هى نواقض مكفرة لتوحيد الألوهية كلها أعمال فيأتى لكل هذه الأعمال ولا يكفر بها مثل ولاية الكافرين والتشريع لأن كل هذه أعمال وليست اعتقادات. وقد بيَّنا فساد هذا الأمر وقلنا أن المسألة مرتبطة بهذا التوحيد قولاً وعملاً ومرتبطة بالمناطات وأنه لا فرق بين الأقوال أوالأفعال أوالاعتقادات من هذه ال الناحية وإنما الفوارق كلها بالضوابط التي قلناها: هذا الفعل يكفر مرتكبه أم لا؟ فلابد أن يكون هناك لفظ كفر ينقل عن الملة من الألفاظ التي عرفناها  يتنزل على وصف مناسب مؤثر هو المناط فيكون هذا ناقض مكفر ولابد أن يكون الناقض محرم تحريم أبدى خالد ويكون ناقض لحق الله الخالص. فإذا كان ناقضا لحق الله الخالص ومحرما تحريما أبديا خالدا وفيه كفر ينقل عن الملة بتنزيل الحكم على مناطه فلا شك أن هذا ناقض مكفر لركن من أركان التوحيد.

 هو عندما يهمل هذه الضوابط يحتار بين ما هو مكفر وما هو غير مكفر لأنه لا يعرف الفرق بين الألفاظ التي تفيد النقل عن الملة والألفاظ التى لا تفيد النقل عن الملة، ولا يعرف عملية تنزيل الحكم على مناطه، ولا يعرف كون هذه النواقض محرمة تحريم أبدى خالد وأنها ناقض لركن من أركان التوحيد. فعندما  يعرف هذه الضوابط كلها لن يلتبس عليه الأمر ولن يفرق بين نواقض توحيد الربوبية ونواقض توحيد الألوهية.. هذا أيضاً من ضمن الأشياء التي يقع فيها الإرجاء.

فوائد :

1. مهما كان الإنسان بخيل أو مريض القلب أوغيره، مادام عنده إيمان فلابد أن يكون الرسول أحب إليه وهذا يظهر فى المواقف التي يعرض نفسه فيها للتهلكة بسبب دفاعه عن حرمة الرسول أو سمع إنسان يخوض فى حقه أو فى حالة الجهاد فلو حتى تعرض إلى التهلكة فبسبب دفاعه عن حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يحبه أكثر من ماله وولده والناس أحمعين و ليس معناه الإيمان الكامل أو الإيمان الحقيقى بل هما واحد " ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله " فمفروض أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم تابع لحب الله سبحانه وتعالى .

2 . لا يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديثه الهجرة الشرعية؛ هجرته أي سفره وانتقاله أنه هجر مكان لمكان وهى الهجرة بمعناها اللغوى ليس بمعناها الشرعى. لكن هل كل هؤلاء الناس صادقون فى الهجرة أم لا ؟ هذا أمر يعلمه الله ، لكن عندما ننظر فى القرائن الحالية والمقالية نعطي للسفر تكييف شرعى هو الهجرة .

 

القيود التي يمكن أن تتقيد بها النواقض المكفرة للتوحيد :

    قلنا قبل ذلك أن معرفة النواقض ترجع إلى معرفة المناط وكونه وصف مناسب مؤثر وتنقيحه وتحقيقه ثم تنزيل الحكم عليه، وتنزيل الحكم عليه يرتبط بمعرفة الألفاظ التى تفيد النقل عن الملة والتى لا تفيد النقل عن الملة والقرائن الحالية والمقالية التي ترتبط بها حتى تفيد هذا أو ذاك. فإذا تنزل الحكم على المناط تكون هذه هي النواقض المكفرة ثم يبقى  هناك شرطين آخرين :

1 . أن يكون ناقض لإفراد الله بما لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ويكون هذا الإفراد إما في أمر إرادى قصدى طلبى أو فى أمر خبرى علمى معرفى. فإذا كان ناقض لإفراد الله بما لا يكون إلا لله فى أمور إرادية قصدية طلبية يكون ناقض لتوحيد العبادة ، إذا كان ناقض لإفراد الله بما لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى فى أمور خبرية علمية معرفية يكون ناقض لتوحيد الربوبية أو لتوحيد الإعتقاد.

2 . ثم حتي يكون الناقض ناقضا لابد أن يكون محرم تحريم أبدى لا يباح فى حالٍ من الأحوال.

فإذا كان قطع كون الناقض ناقضا بتنزيل الحكم على مناطه وكونه محرم تحريم أبدى خالد و كونه ناقض لإفراد الله بما لا يكون إلا لله فى الخبر والعلم والمعرفة أو الإرادة والقصد والطلب، فإذا اجتمعت الثلاثة شروط يكون هذا ناقض من نواقض التوحيد ، وفى نفس الوقت الذي لم تجتمع فيه الشروط يجوز فيه اختلاف العلماء حتى ولو كان بتنزيل الحكم على مناطه واتضح ان الكفر فيه كفر ينقل عن الملة لأنه قد يكون له تفسير آخر كما اختلفوا فى كفر تارك الصلاة  أما إذا كان مع هذه الشروط الثلاثة يكون أمراً  مؤكداً لا يجوز فيه الخلاف.

 الأمر الآخر أنه بمعرفة هذه الضوابط نستطيع معرفة الكفر الذى ينقل عن الملة والذى لا ينقل عن الملة ونفرق بينهما . الذي تغيب عنه هذه الضوابط لا يستطيع أن يعرف الفرق بين الكفر الذى ينقل عن الملة والذى لا ينقل عن الملة ، الكفر الأكبر أو الكفر الأصغر أو العملى أو كفر دون كفر أو الذى لا ينقل عن الملة.

 الأمر الآخر أنه بمعرفة هذه الضوابط نستطيع معرفة النواقض المكفرة من غير النواقض المكفرة ونستطيع معرفة نواقض التوحيد لأن نواقض التوحيد هى التي يكون لها نواقض مكفرة بهذه الضوابط. فهذه تحدد أركان التوحيد و تحدد النواقض المكفرة و تفيد فى معرفة ماينقل وما لا ينقل من الملة فتكون مفيدة جداً فى هذه الأمور الثلاثة.

    عند غياب هذه الضوابط تلتبس الأمور عند بعض الناس : قد يحدث إفراط أي ينقل التكفير فى ما ينقل وما لا ينقل ، و إذا لم يتقيد بهذه الضوابط قد يطلق التكفير فيما قد تكون الألفاظ فيه تنقل لكنه يتقيد بقيود معينة فلا يتقيد بهذه القيود.

 قد يحدث العكس فيقول أن الطعن فى الأنساب والنياحة على الميت كما قلت لكم تكون كفر دون كفر فكل شىء عملى مثلها يكون الكفر فيه كفر أصغر لا ينقل عن الملة طبعاً نحن نعرف أن توحيد العبادة عملى فنواقضه عملية ، فبهذا الشكل نواقض توحيد العبادة كفر أصغر لا ينقل عن الملة . إذاً بعد ما أثبته كأنه لغاه وقصر التوحيد فقط على توحيد الإعتقاد أو توحيد الربوبية وهو عكس ما بذل فيه جهد كبير جداً لتأسيسه  فيكون " كالتى نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثا " فهنا يأتي لإثبات توحيد الألوهية فيثبته بثلاثة معانى فى النفس لأن الله أعظم الأشياء وأولاها بالطاعة وأحقها بالعظمة، فإذا انخرم معنى من هذه المعانى أو قيمة من هذه القيم الباطنية بأى شىء يدل على الإنخرام فيكفر بما لا ينحصر. والنصوص التى جاء بها الشرع فى أمور تخرج عن الملة يؤولها على غير ظاهرها لأنها مسائل عملية فيقيسها على الطعن فى الأنساب و النياحة على الميت ، فالذي جعله الله  شركاً وكفراً يؤوله إلى كفر وشرك أصغر والذي لم يجعله الله لا شركاً ولا كفراً يكفر به حسب ماتكون الدلالة عنده وهذا الإضطراب فعلاً موجود عند ناس معينين و موجود بكثرة جداً.

 الذي يحسم هذا الإضطراب : أن اثبات الإيمان قول وعمل ظاهر وباطن وإثبات التوحيد قول وعمل ظاهر وباطن وأنه لا فرق بين توحيد الإعتقاد وبين توحيد العبادة وإنما الفروق تتضح بالضوابط التى تكلمنا عنها . هذا تذكير بما سبق .

   نأتي للكلام عن الناس الذين يقولون أن الكفر يتقيد بقيود معينة :

1 . قيد الإقرار : و هو شبيه بما سبق من الكلام فهم يقولون أن هذا الفعل شرك وكفر لكن لا يكفر به المسلم مادام المسلم معه إقرار بالتوحيد و يأتى بعض الفرائض التي  فرضها الله عليه فكيف نكفر من يقول لا اله الا الله ومن يصلى ويصوم ومن كذا، فإذا كان يدَّعى الإسلام أو ينتسب إليه أو يقول لا إله إلا الله أو يأتى ببعض الفرائض يكون هذا مُشعِراً أنه منتسب للإسلام شديد الحرص عليه فهذا يعصمه و يسمونه عقد الاسلام الذي  يعصمه من الشرك والكفر فلا يلحق به حكم الشرك والكفر إذا وقع فيه.

 هذه طبعاً شبهة كبيرة جداً و رَدَّ عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته وأبناؤه وأحفاده باستفاضة شديدة جدا أن قول لا اله الا الله لا ينفع صاحبه إلا بقيود معينة وأنها ليست عصمة من الشرك ومن الكفر إذا وقع فيه الانسان مع ادعاء الاسلام أو اتيان بعض الفرائض أو كذا لأن الفقهاء فى باب الردة ذكروا أنواع المرتد وأنه يرتد بواحد من الأشياء التي يقع بها الردة فقط مع إتيانه باقى الفرائض والأركان.

 طبعاً قلنا أن الرد عليه سهل جداً من كتاب الله سبحانه و تعالى " ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون " فهم مسلمون فى أول الأمر فإذا اتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً فقد كفروا بعد إسلامهم بالشرك لأن الشرك ينافى حقيقة الاسلام فيقع به الكفر؛ فالشرك كما قلنا ليست له حقيقة معينة غير منافاته لحقيقة الاسلام فيقع به الكفر. والآيات الأخرى التي فى قول الله سبحانه وتعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم" - فهذه ردة - " عن دينكم ان استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر" – فهنا - " فأولئك حبطت أعمالهم " ؛ إذاً هنا مع عقد الإسلام وبقاء الإقرار والإدعاء والإنتساب وهذه المسائل كلها  إذا وقع الكفر ومات عليه فقد انتهى الامر " ولا الذين يموتون وهم كفار " ، " إن الذين كفروا ثم ماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبا ولو افتدى به " فربنا سبحانه وتعالى قال أن هذا لن يقبل منه كما أيضاً فى سورة آل عمران و سورة النساء و سورة البقرة . حتى الأنبياء "  ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " ، " ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئِن أشركت ليحبطن عملك "  فإذا كات النبوة لا تمنع من احباط العمل بالشرك فكيف بادعاء الإسلام أو إتيان بعض الفرائض أو إقرار بالتوحيد أو هذه المسائل كلها ؟ بالطبع لا يمنع ،  ولذلك البخارى قال : ( المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر مرتكبها إلا بالشرك ) .

لكن هناك حقيقة أخرى هي أنه إذا كان إنسان منتسب  للإسلام وقع فى شرك ، فهو ثبت له حكم الاسلام أصلاً من الناحية الحكمية بالنص أو بالدلالة أو بالتبعية فلا يخرج عنه إلا بعد التحقق من أوضاع الردة باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع كما بينَّاهُ سابقاً فى الأوضاع السبعة التي تكلمنا عنها كمن أتى أفعال أو أقوال أو اعتقادات لوازمها مكفرة وليست بعينها مكفرة ، أو هى بعينها مكفرة ولكن تحتمل وجه آخر ، أو هى بعينها مكفرة ولا تحتمل وجهاً اخر ، أو هى بعينها مكفرة ولا تحتمل وجهاً اخر ولا تقبل توبة.

 إذاً يكون لكل واحد حكمه حسب الأحوال هذه ؛ فهو يثبت له حكم الإسلام حتى ينتفى عنه بيقين جازم لكن هو عند الله سبحانه وتعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " من وقع فى الشرك الأعظم فقد انتفى عنه وصف الاسلام ووقع بسبب ذلك فى الكفر " ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا " – هذا هو الشرك – " أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون "  فالشرك كفر لأنه ينافى حقيقة الاسلام ، فمن حيث منافاته لحقيقة الاسلام كان كفراً أي مخرجاً من الملة.

 هذا هو أول قيد و هو قيد الإقرار أي يقيدوا الكفر أو الشرك بالإقرار بمعني أنه إذا وقع فى الكفر أو الشرك لا يكون كافراً أو مشركاً أو خارجاً من الملة بفعله حتى ينسلخ من إقراره أو ادعاؤه أو انتسابه للإسلام أو عقد إسلامه أو اتيانه بعض الفرائض ؛ هو ينسلخ بإرادته من الدين ، فمادام لم ينسلخ بإرادته من الدين ولا زال يدعيه بشواهد تؤكد هذا الإدعاء من إقرار أو ادعاء أو انتساب أو اتيان بعض الفرائض فهذا دليل على التصاقة بالإسلام ، فعقد الإسلام يعصمه من الخروج من الملة إذا وقع فى الكفر أو الشرك .

2 . قيد الإعتقاد:

التقييد بالإعتقاد ناقشه شيخ الاسلام ابن تيمية فى كتاب (الصارم المسلول) فى المسألة الرابعة بإسهاب لأنه قال أولاً أن التقييد بالإعتقاد من لوثات الإرجاء ومن لوثات الجهمية سرت إلى بعض الفقهاء أوالعلماء ووقعوا فى هذا الخطأ وقال لهم : لو سب ولم يعتقد حل السب حسب كلامكم لا يكفر ، وإذا اعتقد حل السب ولم يسب يكفر ، ففى هذه الحالة السب ليس مؤثراً فى الحكم وجوداً وعدماً والشارع جعله هو المؤثر فى الحكم وجوداً وعدماً بأن جعله هو المناط فإذاً هذا باطل أي أن ادعائكم التقييد بالإعتقاد  باطل لأنه أخرج المناط عن أن يكون مناطاً.

 الأمر الثانى: إذا سبَّ فرد أى واحد من أفراد المؤمنين أو اغتابه مع اعتقاد حل الغيبة يكفر، ولو اعتقد حل سب المؤمنين أو حل سب والديه يكفر مع أن سب الوالدين أو المؤمنين أو غيبتهم ليست كفراً ، فإذا كان سب الرسول صلى الله عليه وسلم هو ذنب مثل الغيبة تماماً فما الفرق؟ . لم يقل ربنا سبحانه وتعالى أن الغيبة كفر ويكون المعنى أنها كفر بقيد الإعتقاد ولكن قال عنها معصية ، ولا عن السب أنه كفر إذ السب كفر بغير قيد الإعتقاد والكلام هذا ستجدوه في الصارم المسلول واضح جداً.

 وقيد الإعتقاد تكلم عنه ابن الوزير فى ( إيثار الحق على الخلق) لأن بعض الفرق الإسلامية قالت أن الذى يقول بقول النصارى " إن الله ثالث ثلاثة " لا يكفر إلا إذا اعتقد ذلك! إذاً وصل الأمر إلى هذا الحد. فطبعاً رد عليهم وقال لهم: الإعتقاد أمر باطن تُقَيدوا به فلا يكفر أحد حتى و لو حارب الرسول لأننا نعرف اعتقاد أى إنسان إلا أن يقول هو ويعرب عن نفسه ، فلايوجد إذاً أى حكم من أحكام الكفر يمكن أن  يتنزل فى حق أحد إلا أن ينص الله سبحانه و تعالى على كل شخص فلن يوجد شيء يسمي تنزيل الأحكام على مناطاتها.

 فى شرح الصدر قال كلام آخر أيضاً لأنهم قالوا نفس الكلام لكن قالوه بقيد شرح الصدر وهو لم يفرق بين شرح الصدر وبين الإعتقاد.

المهم أن التقييد بالإعتقاد أمر باطل ثم أن ابن تيمية ناقش المسألة باتساع فى الصارم المسلول حتى فى سب الوالدين فقال لهم : أن الانسان قد يسب من يعتقد كرامته لكن لا يسب من ينقاد له إجلالاً بالقلب أي ينقاد له بحب واجلال وتكريم لا يسبه لأن السب ينافى الإجلال والتكريم الذي فى القلب . فممكن أن إنسان يعتقد كرامة إنسان لكن ليس فى قلبه الإجلال والتكريم والحب والانقياد والتسليم والتفويض والإخبات ، فاعتقاد الكرامة لا يتنافي مع هذه المسائل كلها ؛ قد يسب من يعتقد كرامته لكنه لا يسب من ينقاد له حباً وتعظيماً وإجلالاً. فهنا يكون السب دليل على فساد الإنقياد وليس على فساد الإعتقاد بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما بالنسبة للوالدين ليس مطلوباً منه أن ينقاد لهم إجلالاً وتعظيماً وهكذا لكن مطلوب هذا الإنقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن مطلوب أنه يعتقد كرامتهم ويعتقد كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم، فسبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتنافى مع اعتقاد كرامته وسبه لوالديه لا يتنافى مع اعتقاد كرامته ، لكن سبه للوالدين أو للرسول يتنافى مع انقياد القلب لهم حباً وإجلالاً وتعظيماً، وسبه للرسول يتنافى مع انقياد القلب له حباً وإجلالاً وتعظيماً . فإذا سب الوالدين يكون فعلاً غير منقاد لهم أي ليس فى قلبه الحب والإجلال والتعظيم لهم ، وإذا سب الرسول فليس  فى قلبه الحب والإجلال والتعظيم لكن إيمانه لا ينعقد أي لا يتوقف إيمانه على إجلاله لوالديه أو حبه أو انقياده لهم لكن إيمانه يتوقف على إجلاله وتعظيمه وانقياده لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

 إذاً ارتباط السب مع عدم وجود الإنقياد فى القلب أقوى من ارتباطه مع عدم جود الإنقياد فى القلب و هذه أيضاً من الأدلة القوية جداً التي ذكرها ابن تيمية.

 إذاً الكفر لا يتقيد بقيد الإعتقاد ؛ فمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعتقد كرامته يكون هذا السب كفراً لأن السب يتنافى مع انقياد القلب للرسول صلى الله عليه وسلم  إجلالاً وتعظيماً وانقياداً ، وعدم وجود هذا الإجلال والتعظيم والانقياد فى القلب للرسول صلى الله عليه وسلم مكفر له لكنه لا يتنافى مع اعتقاد كرامته وهي بالقياس على موضوع الوالدين . هذه هي الأدلة الثلاثة التي ذكرها ابن تيمية فى رفض التقييد بالإعتقاد، وقال أن الذين يقيدون بالإعتقاد مرجئة أو فيهم لوثة إرجاء لأنهم يرجعوا الكفر إلى أحد أمور ثلاثة وهى تكذيب الخبر بالقلب أو باللسان أو بهما معاً و يخرجوه عن جانب الإنقياد، وقال أن الإيمان لايتحقق إلا بمجموع الأمرين تصديق الخبر وقبول الحكم أو التصديق مع الإنقياد وهذا يدفع كلام الارجاء، إذاً فهو يفسد حجتهم في عدم تكفير الساب إلا بالإستحلال أو باعتقاد الحل. قال لهم أيضاً أنَّ هناك أمر آخر هو أمر الإنقياد أنتم أهملتموه الذي ذكر فيه موضوع الوالدين كما قلنا ، ثم قال لا بد لأن الإيمان ليس راجعاً إلى التصديق فقط بل هو راجع إلى الإقرار والإقرار فيه المعنيين وهما الأمن أي الثقة والطمأنينة التي تربط بين العلم الذي انعقد عليه القلب ثم أعطى موجبه من الموافقة والموالاة والإنقياد، وهذه المعانى ترتب عليها إرادات أي مع القدرة حدثت مرادات. إذاً يكون هذا هو الإيمان وهو بمعنى أقر ومنه بمعنى صدقه لأن أقر بمعنى المعانى التى استقرت فى القلب وهي الموافقة والموالاة والانقياد ؛ أقر بمعنى اطمأنَّ أو وثق أو ركن  بمعنى الركون والثقة والطمأنينة والحب كأنس الولد بأمه أو بوالديه. الإنسان يأنس إلى شىء فيركن اليه فيقر عنده ولا تحدث السكينة إلا مع حب وثقة وطمانينة وهى التي تنقل العلم إلى الموافقة والموالاة والإنقياد. هذه هى الحلقة التي فى الوسط التي لا تجعل الإيمان مجرد علم بل تجعله يعطى موجبه من الموافقة والموالاة والإنقياد فبالتالى لا يكون الكفر فقط شكاً وتكذيباً ويكون عناداً وظلماً. هذا الكلام قاله أيضاً فى الصارم و ذكر أيضاً أنَّ النوعين موجودين في ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) أي من ناحية نقص العلم يكون الكفر شكاً أو تكذيباً لا يقتصر على الجانب الإعتقادى فقط لأنه فيه الجانب الثانى وهو الجانب الإنقيادى الذي هو الظلم والعناد يكون شكاً وتكذيباً ويكون ظلماً وعنادا ً. وقال أن كفر إبليس من النوع الثانى وهو نوع الظلم والعناد وليس من نوع الشك والتكذيب . إذاً لا يمكن لأى إنسان أن يقيد السب بالإعتقاد ويقول لك: أنا اعتقادى فى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحق للكرامة أي يعتقد كرامته وهذا السب نوع من النزق أو الطيش لا يتنافى مع اعتقاده تماماً ، فكيف تستحل دمه وقلت أنَّ هذا يدل على فساد الإنقياد لكنه لا يدل على فساد الإعتقاد . لذا حتي تكفره بالدلالة لابد من أن تكون هذه الدلالة قوية جداً ومعها القرائن أي لا تحتمل ما يبطلها.

    3 . التقييد بشرح الصدر :  والتقييد بشرح الصدر عليه رَدَّين لشيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام ابن عبد الوهاب ، فقال لهم : قال تعالي " من كفر بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا " فلو أن التقييد بشرح الصدر لم يستثنى المكره  لأن المكره وغير المكره لا يكفران إلا بشرح الصدر فلماذا استثنى المكره ؟ ، إذاً استثناء المكره هنا ليس له معنى أو لم تتحقق منه فائدة زائدة وهذا عبث يتنزه عنه كلام المخلوقين فضلا عن كلام الخالق ! فثبت بطلانه ويبقى استثناؤه للمكره دليل على أن المكره فقط لا يكفر إلا إذا انشرح صدره مع مع الإكراه الواقع عليه. إذاً فى هذه الحالة من قال كلمة الكفر فقد كفر بها إن لم يكن مكرهاً أما من قالها وهو مكره فلا يكفر إلا بشرح الصدر لأن الإكراه يرفع عنه الحكم لوضع الضرورة التي هو فيه وبذلك فقد أبطل التقييد بشرح الصدر.

 ابن الوزير أخذها من ناحية أخري وهى نقطة المفهوم؛ أن الإستدلال بالمفهوم حتي يعارض المنطوق وأن المفهوم لا ينهض على معارضة المنطوق لأنه قال له: " إلا من شرح بالكفر صدرا " أي معناها (مفهومها) أن الذي لم يشرح صدراً لا يكفر  فهذا مفهوم مخالفة كما في قول الله سبحانه و تعالى : " ماأشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا " فمن الممكن أن تفهم منها مفهوم أنه يتخذ غير المضلين ولكن المفهوم الذي فهمته مفهوم مخالف يعارض منطوق آخر أن ربنا سبحانه وتعالى ليس له شريك أي  " ليس شريك فى الملك "  لاالمضلين ولا غير المضلين.

 في الرد علي ذلك أيضاً قال ابن القيم في قوله تعالي " وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير " أن الله نفي الشركة للمضلين وغير المضلين ، لكن كونه يقول المضلين فمن باب أولى يعنى بمعني أنه حتى لو أَشهد لأشهد غيركم لكن هو لم يُشهِد هؤلاء ولا هؤلاء ، فهنا يكون المنطوق أقوى من من المفهوم فلما يأتي بمفهوم ويقول " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة "  لا تعارضه بمفهوم " ولكن من شرح بالكفر صدرا " لأن معناها المفهوم منه الذي لم ينشرح صدره يكفر. فالمفهوم قد يكون فهمك له خطأ فلا يصح أن تُعارِض بمفهوم منطوق لأن المفهوم ليس له عموم والمفهوم ليس حُجة عند بعض الأصوليين وليس له عموم عند الآخرين وشرط الإستدلال به أنه لا يعارَض منطوق فإذا عارض منطوق يسقط الإستدلال به فيكون الذي يُعارَض به أقوى منه أي الذي تؤوله منطوق فتؤوله إلى مفهوم ، فبالعكس المنطوق هو الذى يحكم على المفهوم وليس المفهوم هو الذى يحكم على المنطوق.

 فهذا هو الكلام عن شرح الصدر حُجة ابن الوزيرفيها قوية جداً وكذلك حُجة شيخ الإسلام ابن تيمية وحُجة شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب مبنية على استثناء مبنية على أمر آخر هو استثناء المكره وأعتقد ابن تيمية يكون أيضاً مع استثناء المكره أنه ليس هناك إكراه على القلب . هذا بمعنى أنه عندما  يقول " من كفر بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، و يكون ما دام قد استثنى الظاهر وهو القول لأن القلب ليس عليه إكراه يكون الغير مستثنى ظاهر أيضاً لأن الإعتقاد ليس عليه إكراه وما فى الصدر ليس عليه إكراه ، إذاً فقد استثنى من أُكرِه . فإذا كان الكفر لايكون إلا بما فى القلب فالقلب ليس  عليه إكراه فما وجه استثناء المكره والكفر لا يقع إلا من القلب ولا يقع فى الظاهر ، فيكون  كل ما هو فى الظاهر مهما قلت أو فعلت فى الظاهر فلا كفر فيه فسواءً كنت مكره أو غير مكره فليس هذا كفراً .  إذاً كان من الممكن مثلاً أن يقول: افعلوا ماشئتم فى الظاهر ولا تتولوا بقلوبكم والذي يتولى بقلبه هو الذي يكفر ، وهذا مثل التقية ، إذا قلنا ذلك كان  الإستثناء له معني لكن قال " لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.. إلا أن تتقوا منهم تقاة  " فالتقية طبعاً بتكون فى أمر ظاهر لأن الباطن ليس عليه إكراه فلا بد أن  يكون المستثنى منه يقبل الإكراه ولا يقبل الإكراه إلا الأمر الأمر الظاهر، فلا يكن فى أمر باطن. هذا الكلام موجود فى ( كشف الشبهات ) لابن عبد الوهاب وفى كتب أخرى ، والكلام الثانى الخاص بشرح الصدر فى كتاب الإيمان ومكتوب فى الصارم المسلول أيضاً استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية على نفى التقييد بشرح الصدر .

4. التقييد بقصد الكفر : والتقييد بقصد الكفر أبطله شيخ الإسلام ابن تيمية فى (الصارم المسلول) بقصة الرجل الذي قال أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أبيت فى أى بيوتكم شئت فاستعظموا الامر فخرجوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألوه ، فقال لهم : "لقد كذب على عدو الله اذهبوا  فاقتلوه و أظنكم قد كفيتموه" ، فذهبوا ، فوجدوه خرج يتوضأ فلدغته أفعى فمات. فهنا ابن تيمية يقول : إن الرجل لم يقصد الكفر بفعله فهو يتوضأ دليل علي ذلك لكنه استخف بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم لغرض وهو وصوله للشهوة أو وصوله للمرأة فكان يستطيع أن يصلها عن أى طريق آخر ليس فيه استخفاف بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم لكن وجد هذا الطريق متاح فسلكه ولم يعبأ بحرمة رسول صلى الله عليه وسلم ولم يفكر أن يبحث عن أى طريق آخر ولو كان وعراً ليس فيه هذا الإستخفاف فهذا دليل على أنه ليس فى قلبه من التوقير والإحترام للرسول صلى الله عليه وسلم ما يمنعه من أن يجتاز هذه العقبة الكؤود فاستخف الحرمة. فهذا استخفاف بالحرمة لغرض وهذا لم يقع لقلب فيه إيمان فيكون قد فعل الكفر ولو لم يقصد الكفر إذ لا يقصد الكفر أحداً إلا ماشاء الله ، والقصة بأكملها موجودة أيضاً فى الصارم المسلول. وهناك أناس كثيرون يقولون أنه لابد أن يقصد بفعله الكفر، وهذا خطأ بالطبع، لأن ربنا سبحانه وتعالى حكى عن بنى اسرائيل " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل اليه ماتخذوهم أولياء " فلو كان الإيمان فى قلبه لمنعه من هذا لكن وهو يفعله لم يقصد به الكفر .

     أمر آخر استدل به ابن تيمية فى إبطال التقييد بالإعتقاد وإبطال قصد الكفر وهو فى الذين قالوا " إنا كنا نخوض ونلعب " ، فجزم ابن تيمية في كتاب الإيمان وأظن أيضاً في الصارم أن هؤلاء لم يكذبهم القرآن فلم يكونوا عارفين أن هذا القول كفر ولم يعتقدوا ما قالوه أي أنهم لم يعتقدوا فعلاً المهانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذكر الثلاثة أمور: لم يعلموا أنهم يكفرون به، ولم يعتقدوا ما قالوه أنهم قالوا " إنا كنا نخوض ونلعب "  كانوا صادقين فى هذا، ولو كانوا غير صادقين لكذَّبَهُم القرآن كما في قول الله سبحانه وتعالى  " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد أنك لرسوله والله يعلم إن المنافقين لكاذبون" لكن القرآن لم يكذبهم فدَلَّ على صدقهم ، وإنما قالوه فعلاً لقطع معاناة الطريق أو معاناة السفر أي حديث الركب كما قالوا . لكن مثل هذا لا يصدر من قلب فيه إيمان لأنه أيضاً استخفاف بالحرمة لغرض ، تريد أن تُسَلِّي نفسك فى الطريق لا تتعرض للسخرية بالرسول أو الإستهزاء أو الإستخفاف بالمقدسات. هذا يحدث من أناس كثيرين أنهم يتكلموا بكلام فيه استهزاء بالمقدسات أو فيه ربنا أو فيه رسول ولا يعتقد الكلام الذي يقوله ولا يعرف أن الكلام الذي يقوله يكفُر به ولا يقصد به الكفر لكنه يكفر به لأن مثل هذا لا يصدر عن قلب فيه إيمان. هذه نقطة مهمة جداً لابد أن ننتبه لها وهذه من الأمثلة القوية جداً على إبطال القيود الثلاثة قيد العلم وقيد القصد والاعتقاد.

فوائد :

 1 . في قصة الذين تكلموا حديث الرَكب نجد أنَّ ابن حمير سار معهم وخاف أن ينكر حتى لا يعيروه بالنفاق أو كذا فسكت وهو كاره بالقلب . لكن الذين شاركوا فى هذا الفعل حكم ربنا سبحانه وتعالى عليهم بالكفر لأنهم فى قلوبهم النفاق . هم أصلاً منافقون ولذلك هذا الفعل لايصدر عن قلب فيه إيمان وهم لم يتوبوا منه توبة حقيقية .

2 . أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأت صناديد قريش وفى أيديهم القيود وقد أُسروا وكانوا من بنى مخزوم وهى كانت من بنى مخزوم فاغتاظت وقالت لهم : أنتم فعلتم بأنفسكم لم تقاتلوا كما يقاتل الرجال ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتحرشين على رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، فانتبهت ، فهى نفسها تقول : لم أنتبه إلا إلى كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  . فهي قد اغتاظت أي أنتم قاتلتم وكنتم جبناء ولم تقاتلوا وألقيتم بأيديكم ، فقال لها أتحرشين على رسول الله ، وهي تقول أنها لم تنتبه إلا إلي الكلمة التي فاجأتها فتابت مباشرةً ورجعت . إذاً هذا ليس الكفر الذي استقر ولكنه شيء عابر، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يسميها الشبهة الطارئة.

أو مثل ما حدث لسعد ابن عبادة وأناس كثيرين عندما كانوا يكلمونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىءٍ لا يليق به ، ففرَّقَ بين هذا وذاكَ فى الصارم تفريقا جيد جداً فقال أن هذه تكون نوع من العجلة أو الشبهة الطارئة فلما يُنَبَّهُوا ينتَبِهُوا مباشرةً .

في " اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " نفس الموقف بالضبط اتخاذ الأنواط لأنهم نُبهوا فانتبهوا لكن الكفر متعلق بالأقوال والأفعال بدليل قول الله سبحانه وتعالى : " لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة " وليس لازماً فعل شىء معين.

شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً يعتبر من وجهٍ ما فعل حاطب من أنواع الشبهة التي هي عجلة أي أخذته العجلة أو الشبهة فوقع فيما وقع فيه بمعنى زلة أو هفوة طارئة ، فإذا الإنسان نُبِّه لها ينتبه مباشرةً ويفيق منها سواء كانت هذه الهفوة بفعل أو بإشارة أو بقول أو بأى شىء.

 إذاً فهذا ليس فقط لأنه لم يقصد الكفر لكن أيضاً لأن قصده لم يستقر عليها أو عمله هذا أقرب ما يكون إلى الفعل الغير إرادى كفعل العجماوات والجمادات كمن قال ( أنت عبدى وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ) فالقصد لم يستقر عليه فربنا سبحانه وتعالى يسامح الخطأ الذي وقع فيه إذا لم يستقر عليه وانتهى عنه مباشرةً ؛ نُبِّهَ فانتبه وأُمر فأتمر ونُهى فانتهى أو طلب الفعل ولم يفعله ( اجعل لنا ) لكن لم يتخذ " اجعل لنا إلهاً " ، لكن لم يتخذ إلهاً ، فليس هناك فعل وقع والطلب نفسه لم يستقر عليه كفعل .

5 . التقييد بالعلم : التقييد بالعلم نفسه باطل من أوجه لأنه فى الصارم أيضاً يقول شيخ الإسلام أن الكفر قد يكون شكاً وتكذيباً وقد يكون ظلماً وعناداً ، الشك والتكذيب نفسه هو قسيم الكفر فكيف يكون التقييد بالعلم فيه و ذلك كما في " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا مارزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين "  ،  " وخرقوا له بنين وبنات " - أيضاً ربنا سبحانه وتعالى يقول – " بغير علم " . إذاً ما معني العلم وما معني الجهل ؟ .

1 . معنى العلم هو : إدراك الشىء على ما هو عليه ؛ فالذي لم يدرك الشىء على ماهو عليه فى الحقيقة ليس عالماً به ومادام ليس عالماً به يكون جاهلاً . ولذلك الذي تبلغه  رسالة محمد " صلى الله عليه وسلم " فيشك فى صحتها هذا جاهل وإن بُلِّغ لأنه لم يدرك الشىء على ماهو عليه أو كذَّب بها فيكون جاهلاً وإن بُلِّغ . فكل أنواع الضلال تعتبر جهلاً كما في " غير المغضوب عليهم ولا الضالين "  فالشك جهل والتكذيب جهل ولذلك الذي يقول الإيمان لا يكون إلا بالإعتقاد أو بالعلم (فقط ـــ وهم الجهمية) معناه الكفر لا يكون إلا بالجهل والثانى يقول أن الجاهل لا يكفر فهما متعارضان على خط مستقيم. واحد يقول لا يكفر إلا الجاهل والثانى يقول الجاهل لا يكفر لأن الجاهل هو من لم يبلغه الخبر أو الأمر فلم يعلمه أي فلم يعلم الشىء على ماهو عليه أو لم يدركه إدراكاً حقيقياًعلى ماهو عليه .

2 . معني الجهل هو: لمن لم يعلمه أصلاً، أو بُلِّغ إليه أو علمه لكنه شك فى هذا الأمر فلم يدركه على ماهو عليه، أو كذَّب ، فهؤلاء الثلاثة جهلة ؛ جهل راجع إلى الشك أوالتكذيب أو نقص البلاغ . فلا شك إذا قلنا نقص البلاغ فيه كلام أو كذا لكن الشك والتكذيب واضح  بنصوص القرآن المتكررة أنَّ الشاك كافر وهو جاهل، والمكذب كافر وهو جاهل ، ولذلك ابن تيمية يقول أن الكفر يكون شكاً وتكذيباً أو ظلماً وعناداً.

    الشك والتكذيب كما حدث مع النصارى، والضلال أنه لا يُدرك الشىء على ماهو عليه، والعناد أنه يدرك الشىء على ما هو عليه لكنه يخالفه جحداً باللسان أو امتناعاً من الموافقة بالعمل .

 فالذي يقول أن الكفر لا يكون إلا عناداً أي التقيد بالعناد أو التقييد بالعلم باطل لأن الكفر لا يكون إلا عناداً فلا يكون النصارى كفاراً لأن النصارى ليسوا معاندين ولكنهم ضالين ، وسورة الفاتحة ذكرت النوعين وهي أم القرآن " غير المغضوب عليهم ولا الضالين "  ؛ فالمغضوب عليهم هم اليهود لأنهم عرفوا ثم أنكروا " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون " عرفوا الحق وعاندوه ، والآخرين  ضلوا فى الحق أي ضلوا فى الحُجة . فهناك إنسان تغيب عنه الحُجة وهناك إنسان يضل فى الحجة وهناك إنسان يُعرِض عن الحجة وهناك إنسان يُعانِد الحجة ، فاليهود يعاندونَ الحجة والنصارى ضلُّوا فيها. والضلال يكون بالنوعين : الشك أو التكذيب . فإذا قلنا لفرد أن الخمر حرمت فشك فى تحريمها نعرف أنه لا يعتقد التحريم ، الثانى يعتقد الإباحة والذي يعتقد الإباحة جازم ببطلان التحريم . الأول ليس عنده يقين جازم أنها محرمة والثانى عنده يقين جازم أنها مباحة فيكون هذا شاك وذاكَ مكذب، فإذاً التقييد بالعلم خطأ يعارض نصوص القرآن ونصوص السنة الصريحة .

فوائد :

1 . في قوله تعالي " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون " وصف الشرك بحقه رغم وصف الجهل " لا يعلمون " . وفي بلقيس قال " وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين " فوصف الكفر في حقها رغم أنها لم تبلغها الحجة ولم تبلغها الرسالة قبل مجيئها إلى سليمان . وفي سورة الأنعام " بغير علم " متكررة كما في " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ، " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا مارزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا" - كلمة الضلال هنا - " وما كانوا مهتدين " هذا هو معنى الضلال الذي أوصله أن يقتل ابنه " لقد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم " أي بغير حُجة من الله سبحانه وتعالى " ائتونى بكتاب من قبل هذا أو أثارةٍ من علم إن كنتم صادقين " ، " قل هاتوا برهانكم " ، " حقَّ عليهم الضلالة " ،  " إنما حرَّم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً " – أي سلطان العلم  – " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " ؛ هذا هو التقييد بالعلم والتقييد بالعناد.

 هناك أناس لا يكفرون المقلد ولا المتأول ولا الجاهل ولكن يكفرون المعاند فقط، وهذا من أبطل الباطل لأنه إن لم نُكَفِّر المتأول فلن يكفر الحلاج والقرامطة والباطنية والبهائية لأن   كلهم متأولين . وللتأويل طبعاً حديث آخر سنتكلم فيه لكن التأويل هنا لم ينف عنهم صفة الكفر وحتى الخوارج الذين تقطع النصوص بكفرهم كانوا متأولين ومع ذلك التأويل لم ينفى عنهم صفة الكفر . التأويل ينفى الكفر بضوابط معينة لكن ليس على الإطلاق .

2 . التقييد بالجحد أو الإستحلال هو أيضاً فى الإعتقاد لأنه فى السب قال إذا استحل كذا (ابن تيمية) بعد ذلك قال أن الإستحلال نفسه يكون على صور منها :

-  تعتقد الحل أو لا تعتقد التحريم .

- أو جحداً محضاً بدون مقدمة أي الإمتناع من قبول الحكم أو من التزام حكم التحريم .

الأول الإمتناع من قبول حكم الله بالتحريم أو الإمتناع من التزام التحريم نفسه مع الإقرار بكل ما يقر به المؤمن مع صحة الإعتقاد كاملةً وهذا أشد الناس عذاباً يوم القيامة " عالم لم ينفعه الله بعلمه " إذاً الإستحلال هنا ليس بمعنى الإعتقاد وهو أن يعتقد حل الشىء لأن الإستحلال نفسه فيه خلل راجع إلى الألوهية أو خلل راجع إلي الإنقياد كما أن فيه خلل راجع إلى الربوبية أو إلى الإعتقاد.

 فأيضاً التقييد بالجحد أو بالإستحلال مثل التقييد بالإعتقاد بالضبط لا يصلح قلباً لنفى وصف الكفر عمَّن وقع فيه . ثُمَّ إنَّ الإستدلالات هنا كثيرة جداً كما في قول اليهود (نشهد أنك نبى ) ، قال : فما منعكما من اتباعى ، قالوا : نخاف أن تقتلنا يهود ؛ فيكون الإنسان معتقداً ومُقِراً ومع ذلك مع اعتقاده وإقراره لا يكون  مسلماً إلا إذا حصل منه الإنقياد  " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون "  ، وقول الله سبحانه وتعالى " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " قال ابن عباس إيمانهم إقرارهم وشركهم أنهم يعبدون مع الله غيره ، فوقع الكفر مع صحة الإقرار فالجحد ليس قيداً والاستحلال ليس قيداً إلا اذا كانت هذه معصية فعلاً ، لكن لو كان الفعل نفسه كفراً فلا يتقيد بقيد الإستحلال ولا بقيد الإعتقاد ولا بقيد العلم ولا بقيد العناد ولا بقيد الإقرار ولا قصد الكفر ولا شرح الصدر ، كل هذه القيود تبطل تماماً إذا تعين أن المناط كفر ينقل عن الملة. أعتقد أنَّ هذه النقطة تعتبر مستوفاة السبع نقاط :  إبطال التقييد بالإقرار ، إبطاله بالإعتقاد ، إبطاله بشرح الصدر ، إبطاله بقصد الكفر، إبطاله بالإستحلال ، بالجحد ، بالعلم ، بالعناد . فكل هذه الأمور لا يحدث فيها تقييد بالنواقض المكفرة للتوحيد .

    هذا هو جانب مناقشة الإرجاء و قلنا فيه أنَّ :

1 . الإرجاء القديم يقول أن الإيمان تصديق الخبر بالقلب أو باللسان أو بهما معاً .

2 . الإرجاء الحديث يقيده أيضاً بهذه القيود فهي مشتركة بين القديم والحديث لكن الإرجاء الحديث يفترض نواحٍ أخرى وهي:

-  فصل الظاهر عن الباطن فى موضوع الإيمان وفصل الظاهر عن الباطن فى توحيد العبادة .

-  وعدم التلازم بين الظاهر والباطن فى موضوع الإيمان أو موضوع توحيد العبادة .

والقول بالعقد بدلاً من الحقيقة .

-  القول بالباعث بدلاً من المناط .

هذه هي الأمور الأربعة التي يمتاز بها الإرجاء الحديث عن الإرجاء القديم . أما التقييد بالقيود السبعة أو الثمانية فقديم وليس حديثاً ، والقول بأن الإيمان تصديق الخبر بالقلب أو باللسان أو بهما معاً أيضاً أمر قديم ليس حديثاً وهو مشترك بين القديم وبين الحديث غير  أنه موروث من التراث الإرجائى أي أنَّ الإرجاء المعاصر أخذه عن سلفه الإرجائى القديم  من أول دخول لوثة الإرجاء على عقيدة أهل السنة أو على عقائد المسلمين.

 أعتقد أنَّ الكلام عن الإرجاء قد اكتمل وعرفنا منه أنَّ هناك إرجاء لفظى فقط نجد فيه فقهاء المرجئة أو مرجئة السنة موافقين لعقيدة أهل السنة ، كرامية السنة أيضاً موافقين وكذلك  أشاعرة السنة أوالسلف ؛ يكون كل الكلام واحد مادام يثبت قضية الإلتزام عن قضية الإعتقاد يكون الموضوع منتهى أو مادمنا متحققين كما ذكر ابن تيمية في الصارم المسلول من تصديق الخبر وقبول الحكم أو التصديق والانقياد أو الإقرار مع صحة الإعتقاد مع ترك الشرك كما تقرِّر الآية " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" – أى بشرك- " اولئك لهم الامن وهم مهتدون ".

 إذاً كل من تحوم عقائده حول إثبات هاتين النقطتين يكون من أهل السنة ، الذي يثبت واحدة منهم فقط و يؤول الثانية أو يحاول نفيها أو تعطيلها أو تقييدها داخل فى لوثة الإرجاء.

المرجئة يحاولون نفي الثانية؛ بأنهم يفرقون بين الخبر النفسانى وبين التصديق الخالى من الإنقياد فيقولونَ أنه قد يكون فى قلب الإنسان خبر نفسانى بصحة إرسال محمد " صلى الله عليه وسلم " ولكنه لا يصدقه تصديقاً قلبياً خالياً من الإنقياد حتى ينقاد لأمر الله أي يخضع لأمر الله بتصديق محمد فيصدقه ؛ فإذا هنا الإنقياد فى نقل الخبر النفسى إلى التصديق وهذه عقيدة مستقرة عند المرجئة من قديم . هذا الكلام قاله السبكى فى كتابه ( الدين الخالص ) وذكر فيه هذه العقيدة الفاسدة ، ورغم أن (الدين الخالص) كتاب جيد لكن ذكر هذه العقيدة كان نقلاً عن المتكلمين الذين فرقوا بين العلم وبين الإعتقاد أو بين المعرفة الخالية من التصديق ؛ أي أنَّ الإنسان قد يكون فى نفسه خبر نفسانى لكن نفسه تتمرد على تصديق هذا الخبر فلا تقبل تصديقه وعندما تنقاد لأمر الله تصدق ماعلمت صحته ، فابن تيمية قال أنَّهُ لا يوجد فرق بين علم الصحة وبين التصديق والإنسان لا يستطيع أبداً أن يُكلَّف اعتقاد خلاف ما يعلم فكأنهم حاولوا أن يلغوا الإنقياد بأن جعلوا عنصر الإنقياد لله سبحانه وتعالى أن يعتقد الإنسان صحة ما يعلم اعتقاداً قلبياً خالياً من الإنقياد ، كأنهم يتصورون أن الانسان ممكن أن يعلم صحة شىء ثم لا يعتقد صحته تمرداً على الإنقياد . فيقول لهم ابن تيمية : لا يوجد هنا انقياد لأن الإنسان لا يمكن أن يكلف بأن يعتقد خلاف مايعلم ، فإذا علم الإنسان صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اعتقد صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يحتاج الإنقياد أو الطاعة لأحد حتي يعتقد الصحة لكن الإنقياد يكون فى قبول الحكم. هم يريدون أن يلغوا قبول الحكم نهائياً فجعلوا الإنقياد فى اعتقاد صحة ما يعلم اعتقاداً قلبياً خالياً من الإنقياد ، فيقول لهم : صحة ما يعلم مع اعتقاده صحة مايعلم شىء واحد وليس هناك من داعٍ من إدخال الإثنين فيهم ؛ يريدون إخفاء هذا في ذاك لكن المسألة أن نسبة الصدق إلى الخبر أو المُخبِر هي حسب صحة ماتعلم فتنسب الصدق إلى الخبر أو المخبر.

 لكن يبقى المعنى الآخر هو الإسلام الراجع إلى الإستسلام الذي لا يتحقق إلا بقبول الأحكام فيكون هنا لا بد من تصديق الخبر وقبول الحكم، ويكون الإنقياد متحققاً فى قبول الحكم أي لايتحقق إلا بقبول الحكم ولا يتحقق من الناحية الأخرى أن يعتقد صحة ما يعلم  لأنه لا يحتاج إلى انقياد لكى يعتقد صحة ما يعلم لأن الإنسان بالضرورة يعتقد صحة ما يعلم بدون حاجة لإنقياده  لقوة أخرى تخبره على اعتقاد صحة ما يعلم . بل بالعكس لو كُلِّفَ أن يعتقد خلاف ما يعلم لما استطاع لكن من الممكن أن يبقى أن يعلم شىء ويعانده أو يجحده، وهذا كما في كلام ربنا سبحانه وتعالى عندما يقول " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " أي لا يكذبونك بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم .