الموضوع الرابع : مقارنة بين منهج أهل السنة وبين مناهج الإرجاء أو مناهج التكفير فى الفهم والإستنباط

13 يونيو, 2015

الموضوع الرابع : مقارنة بين منهج أهل السنة وبين مناهج الإرجاء أو مناهج التكفير فى الفهم والإستنباط .

أولاً : مناهج الإرجاء :

    الإرجاء ينقسم إلي إرجاء تقليدى وإرجاء معاصر.

 الإرجاء التقليدى ثلاث فرق : الأولي تقول أن الإيمان تصديق الخبر بالقلب فقط و هؤلاء هم جهمية المرجئة .

الثانية تقول باللسان فقط وهؤلاء هم كرامية المرجئة.

الثالثة تقول بالقلب واللسان معاً وهؤلاء هم عموم المرجئة.

هذه الثلاث فرق من فرق البدع ، وقد تكون كلمة المرجئة ليست بدعة أي سنة ولكن تكون إرجاء من ناحية اللفظ كما قلنا بالنسبة لفقهاء المرجئة أو مرجئة السنة وهم تلاميذ الإمام أبي حنيفة أو آخرين الذين قالوا أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب ولا يدخل فيه العمل . فأنت عندما تسمع هذا الكلام تقول أن هؤلاء مرجئة لذا لُقِّبوا بفقهاء المرجئة.

 لكن حقيقة موقفهم أنهم يقولون أن الإقرار إقرار خبرى التزامى فلو قال أصدقه ولا أطيعه لا يكون مؤمناً ولو قال أطيعه ولا أصدقه لا يكون مؤمناً فلا يكون مسلماً ولا مؤمناً حتى يصدقه ويطيعه جميعاً.

 فهنا عندهم قضية الإلتزام دخلت فى الإقرار أي أن التصديق يدخل فيه أعمال القلب ولايقتصر علي قول القلب.

 ثم يقولون أن هذا هو الإيمان لكن لايجزىء شرعياً حتى يخلو من النواقض المكفرة ويُسَمِّي الخلو من النواقض المكفرة شرائط الإيمان أي الشرائط التى يصح بها الإيمان شرعاً، لكن الإيمان لغةً متحقق عندهم بالتصديق وبالإقرار ولايصح شرعاً إلا بشرائط الإيمان وهي الخلو من النواقض المكفرة.

إذاً الخلاف بينهم وبين أهل السنة لفظى ولذلك عندما تكلمنا قبل ذلك قلنا أن طوائف أهل السنة أربعة :

الأولي : تقول أن التوحيد ( توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية ) أو ( توحيد خبرى علمى معرفى و توحيد إرادى قلبى طلبى ) .

الثانية : تقول مثل فقهاء المرجئة .

الثالثة : تقول مثل أشاعرة السنة أن الإيمان هو التصديق أو لا يدخل فيه إقرار حتى  يقول تصديق ، وقد قال القسطلانى أن التصديق ليس هو فقط نسبة الصدق للخبر أو المخبر ولكنه أيضاً قبول الأحكام أو الإذعان فهذا لا ينطبق عليه اسم الإسلام وهو التسليم إلا بقبول الأحكام. فهم وإن تغير مفهوم الإيمان عندهم حكماً فيتحدان تحت معنى  التصديق فيكون معنى التصديق الإذعان لقول المخبر وقبوله فيكون قد دخلت قضية الإلتزام في التصديق.

الرابعة : كرامية السنة وتقول أن الإيمان هو الإقرار فقط ، والإقرار معناه عندهم الإقرار مع الخلو من النواقض المكفرة و يحتجوا بذلك بحديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم : " أن تقول أسلمت لله وتخليت " .

إذاً كل هذه الأقوال مادام قد دخلت فيها قضية الإلتزام ليس فيها مشكلة وهناك فرق معنوى بينها وبين من يقول أن الإيمان هو تصديق الخبر بالقلب فقط حتى لو لم ينطق  بالشهادتين يدخل الجنة ولا يخلد فى النار حتى لو قتل الرسول، حتى لو فعل، حتى لو فعل؛ فهؤلاء يقولون أنه كفر فى أحكام الدنيا لكن لا يكفر فى أحكام الآخرة أو تبقى مؤولة فيحتاروا في هذه النقطة.

    الإرجاء الحديث ناتج عن :

1 . بعض الناس التبست عليهم المسائل وافتقدوا وسائل التحقيق أو الضوابط التي عرفناها والتي نستطيع أن نحكم بها المسائل .

2 . أناس آخرين عندهم خبث أوعندهم نوع من أنواع الإلتواء ويحاولوا أن يلبسوا القضايا ويفرغوا المفاهيم بالتلاعب بالألفاظ .

نتج عن ذلك:

1 .  مفهومين جديدين وهما الباعث والمناط :

   أى فعل يفعله الإنسان له قصدين فمثلاً يقول لك نويت السفر إلى مكة والمدينة بقصد الحج أو بقصد السفر أو بقصد الهجرة أو بقصد العمل فيكون هناك قصد واحد لكن القصد الأول يجعل الفعل إراديا. مجرد الفعل الإرادى لا يكون له تكليف شرعى حتي يقصد به طاعة أو معصية، فقصد الطاعة أو المعصية يأتى بالقصد الثانى وليس الأول.

 هناك أناس لا يفهمون هذه النقطة ويتهموننا أننا بمجرد أن وجدنا القصد إرادي والفعل إرادي وهناك نص فمباشرةً بغض النظر عن الباعث نُكفِّر به. طبعاً هذا فهم خاطىء لأن التكييف الشرعى نفسه يختلف لأنه كما قلت لكم الفعل الأول إرادى لكنه ليس القصد الثانى الذي يعطيه التكييف الشرعى.

 نضرب مثالا وهو في قصة الإفك عندما وقع في عرض أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وأرضاها حمنة بنت جحش ومسطح وحسان، ووقع فى عرضها عبد الله بن أبى أبي سلول. فِعْل مسطح وحمنة وحسان ليس كفراً وفعل عبد الله ابن أبى ابن سلول كفر وهذا ليس لأن المناط واحد لكن لأن الباعث مختلف فيكون الباعث هو المؤثر فى الحكم لأن هذا خلاف فى أصول الحكم لأن المناط لا يسمى مناطاً إلا إذا كان وصف مناسب مؤثر فى الحكم، فإذا كان اشتق من التأثير فى الحكم لا يكون مناطاً، وعندما يجعله الشرع مناطاً ويقول أن الأذى كفر ونأتي لنقول أن الأذى ليس كفراً إلا إذا كان الباعث عليه دليل الإعتقاد فنكون قد خطَّأنا الشرع لأنه جعل ماليس مناطاً مناطاً.

 إذاً الأذى ليس مناطاً للكفر وكل مايتم به تغير الإعتقاد يكون مناطاً سواء كان فيه معنى الأذى أو ليس فيه معنى الأذى لأن دخول الأذى وخروجه هنا غير مؤثر أي وجوده كعدمه فى التأثير فى الحكم فيكون المناط الحقيقى هو الذي له تأثير فى الحكم وجوداً وعدماً . المناط مختلف هنا لأن الفعلين هنا وقعوا ؛ عبد الله ابن أبى ابن سلول تكلم "تلقونه بألسنتكم" وهؤلاء تكلموا، هذا قصد بكلامه أذى الرسول، والآخرون لم يقصدوا بكلامهم أذى الرسول لأن فى هذا الوقت كان هناك إمكان الإنفكاك بين الوقوع فى عرض عائشة أم المؤمنين وبين أذى الرسول لأنه كان يمكنه طلاقها فلم تكن قد نزلت الآية التي تعتبر أن زوجاته في الدنيا هُنَّ زوجاته فى الدنيا والآخرة وأنه لا يحل له أن يطلقهن أو يستبدل بهن من أزواج بعد نزول آية التخيير لما خيروا : " فتعالين أمتعكن و أسرحكن سراحاً جميلا " ، فاختاروا الله والدار الآخرة والرسول . فربنا سبحانه وتعالى جعلهم أمهات المؤمنين وزوجات الرسول فى الدنيا والاخرة ولا يحل له أن يبدل بهن من أزواج ولو أعجبه حسنهن  أي لا يحل للرسول طلاقهن بعد هذه الآية ولا يتبدل بهن من أزواج وسبب ذلك كونهن أمهات المؤمنين فى الدنيا والآخرة، إذاً فتبعاً لذلك فالذي يتكلم فى حق عائشة من الشيعة أو الروافض يكون قد طعن فى عرض الرسول.

 في أول الأمر لم يطعنوا في عرض الرسول بدليل إمكان الإنفكاك؛ فقبل هذه الآية كان له أن يطلقها أو يستبدل بها زوجة ولم تكن قد أخذت صفة أم المؤمنين بشكل نهائى إلا بعد نزول هذه الآية. هنا مادام هناك إمكان الإنفكاك ننظر للباعث على هذا القول وهو القصد الثانى: ماذا تقصد حمنه بقولها ؟ وما يقصد حسان ؟ وما الذى كان يقصده مسطح بالقول ؟ مجرد " تلقونه بألسنتكم "، سمع و ردد ذلك دون أن يعرف شيئاً ولا يقصد بهذا أذى الرسول فمناط الأذى لم يتحقق لكن عند عبد الله ابن أبى مناط الأذى قد تحقق.

 افرض أن فرداً قصد الأذى يكون قد تحقق الأذى فى حقه كمناط وقصد الأذى بباعث وهذا هو الفرق بين الباعث وبين القصد الذي يعطي التكييف الشرعى للفعل.

 قصد أذى الرسول لأنه أُعطىَ مالاً من أعداء الرسول حتى يشهر به أو حتى يشهر بنسائه أو حتى يهجوه أو حتى يتكلم فى عرضه أو يقع فى عرضه لكن هو مؤمن أنه رسوله لم يتغير اعتقاده لكن حبه للدنيا هو الذي دفعه إلى هذا الأمر، أو فرد وقع فى هذا الأمر وقصد أذى الرسول بدافع الغيرة أو الحسد أو البغضاء أو الكراهية العادية أو الإنتقام من فرد من قبيلة الرسول وقع فى عرض واحد من أهله أو ينتقم من عرض الرسول انتقاماً لقبيلته كان يحدث من كثيرين أو تغير اعتقاد أو استخفاف بحق الرسول ، هل يختلف تغير الباعث هذا فى التكليف الشرعى للفعل مادام قصد الأذى تحقق أم لابد أن يكون الأذى لم يأخذ تأثيره فى الحكم إلا لو كان بباعث تغير الإعتقاد؟

 الحكم غير متعلق بالقول والأحكام الشرعية لم تتحقق هذا ما لا يفهمونه غير متعلقة بقاعدة كذا أو بقاعدة كذا وهي الأفعال المجردة تتعلق بالتكليف الشرعى للقول. فإذا كان التكليف الشرعى للقول أنه أذى فلابد أن نعرف أن قصد الأذى قائم؛ الرجل هذا يقصد بكلامه الأذى أو يُفهَم أن الكلام فيه معرة أو فيه تنقص أو فيه وقوع فى العرض وأنه يلحق الضرر بمن قيل عنه وهو قاله بهذا القصد فيكون قصد الأذى وهذه الأفعال تكيفت على أنها أذى، الذي أخذ الحكم الشرعى بالكفر أو الخروج من الملة الأذى الذى وقع فالحكم متعلق بالأذى وليس بمجرد الأقوال أو الأفعال أي أنه ليس متعلقاً بالباعث على الأذى.

 إنما حمنة والآخرين لم يكن فعلهم أذى أي لم يقصدوا أذى فهنا لو كانت قد قصدت الأذى لم يكن الباعث لينجيها من الكفر إطلاقاً ولكنها لم تقصد الأذى لإمكان الإنفكاك وظنها أن الأمر يقتصر على عائشة وأنه كلام يقال أي غير مقدرة لأهمية الأمر .

    إذاً هنا فعلاً التكييف الشرعى للأقوال والأفعال التى صدرت منهم ليست أذى ، ولايقال هى أذى ولكن الباعث عليها ليس هو تغير الإعتقاد لأنها لو كانت أذى فعلاً والباعث عليها هو الغيرة من أجل زينب يكون حكمها حكم الكفر مثل تغير الإعتقاد تماماً  لأنه من قصد أذى الرسول استخف بحرمته لغرض والإستخفاف بالحرمة لغرض كفر. وهذا مثل الرجل الذي قال أن الرسول أمرنى أن أبيت فى أى بيوتكم شئت وهو يقصد امرأة معينة ليفجر بها فأتوا الرسول واستعظموا الأمر فقال لهم " كذب على عدو الله وما أظنكم قد كفيتموه " والقصة معروفة.

 فهنا ليس من اللازم أن يقصد الكفر بفعله هذا لأنه كان ذاهباً ليتوضأ لكنه استخف بالحرمة لغرض و هو أن ينال به المرأة و سعى إليه باستخفافه بحرمة الرسول وكان من الممكن أن يسعى إليه من طريق آخر ليس فيه استخفاف بحرمة الرسول لكن الرسول عنده ليس له حرمة فى قلبه تجعله يحجم عن اقتحام هذه المهلكة من أجل الوصول إلى هذا الغرض الدنىء. إذا الفعل هنا استخفاف بالحرمة لغرض فيكون حكمه مباشرةً الكفر بغض النظر عن الباعث على هذا الإستخفاف به : هل هو تغير الإعتقاد؟ هل هو الكره؟ هل هو البغض؟ هل هو الشرف؟ هل هو المال؟ هل هو المرأة؟ ، فكل هذه المسائل لا تؤثر فى الحكم إطلاقاً.

 لو كان أناس أعطوه رشوه حتي يعمل هذا أو عرضوا عليه مال أو حبه للمرأة أوقعه فى هذا أو حبه للملك أو حبه لكذا أوقعه فى هذا يكون ليس للرسول حرمة فى قلبه التى تمنعه من اجتياز هذه المفاوز من أجل الوصول إلى هذا الغرض .

    إذاً فقد فهمنا الفرق بين المناط وبين الباعث وضربت لكم مثال واضح جداً حتى أن البعض يظن فيها أن الباعث هو مؤثر ويقول هذا أذى وهذا أذى، فنقول لا فابن تيمية قال فى هذه النقطة : الذي يتكلم بعد نزول الآية، ولذلك الرجل الذي تكلم فى حق عائشة فى وجود أحد ائمة أهل البيت ضربه بالسيف لأنه قال جعل جدى قرنان أي ينسب العار إلى جده لأن عائشة زوجته فى النيا وفى الآخرة ، والقرآن نفسه قال أنها أم المؤمنين القرآن أنزل براءتها؛ فالذي يتكلم فيها يكون قد كذَّبَ صريح القرآن والذي يتكلم فيها يكون قد خاض فى عرض الرسول صلى الله عليه وسلم. هنا مهما كان قصده الغيرة مثل  حِلمة أو تلقى الكلام بدون إلقاء لحرمة الكلمة ، لذلك في الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " إن أحدكم يلقى بالكلمة لا يلقى لها بالاً يهوى بها فى قاع جهنم سبعين خريفا " ؛ فهنا قد يلقى بالكلمة لايلقى لها بالاً لكن هو يعرف بعد ذلك أن الكلمة هذه فى حق عائشة لكنها مرتبطة بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالها باستخفاف أي لا يلقي لها بالاً فيكفر بهذا الأصل.

 الثاني لم يكفر لأنه كان هناك انفكاك بين عائشة وبين أذى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالقرائن الحالية والمقالية لم يتأكد قصده للأذى ، بل بالعكس تأكد عدم قصده للأذى فلا ينظر فى الباعث لأن الأذى نفسه غير متحقق.

  إذا كان  الأذى متحقق فلا ينظر فى الباعث لأن مناط الأذى نفسه تحقق فإذاً لا نظر فى الباعث مع وجود ال المناط .

 والبواعث اسم يبين لنا القصد الثانى الذي يعطى للأفعال والأقوال تكييفها الشرعى وهو المناط الذي يترتب عليه الحكم ؛ نعرف قصده أو باعثه لتكييف الأقوال والأفعال، فإذا تكيفت أذىً أو استخفافا أو إباء من قبول الفرائض أو استحلال أو رد لأمر الله عليه أو قبول لشرع غير شرع الله أو كذا أو كذا يكون كل هذا التكييف الشرعى.

 فليست الأقوال والأفعال المجردة هي التي تأخذ أحكام الكفر والخروج من الملة والعياذ بالله. وهذه نقطة مهمة جداً لابد أن نفهمها فى التكييف الشرعى لأن ممكن جداً عندما يقال (قتل زيدٌ عمرا) تعطي اختلافا في التكييف الشرعى؛ قد يقال زيد يقاتل فى صفوف المؤمنين وعمرو فى صفوف الكفار فيكون جهادا فى سبيل الله، قد يقال أن زيدا يقيم حدا من حدود الله، قد يكون قتله قصاصا، قد يكون قتله دفع الصائل، قد يكون دفاعا عن النفس، قد يكون عمرو محاربا، فى حالة حرابة، قد يكون عمرو ممتنع عن الشرائع ويقاتله مع أمير المؤمنين، أو خارجا عن الطاعة، أو مع الفئة الباغية.

 إذاً الفعل واحد ولكن التكييف الشرعي مختلف فالقتل نسميه أحياناً جهادا وأحياناً موالاة كافرين وأحياناً قصاصا وأحياناً دفعا للصائل وأحياناً إقامة حد وأحياناً حرابة؛ فلفظ القتل لا بد أن يدخل مع الفعل حتي يأخذ توصيفه لكن فى بعض الأوقات لفظ القتل لا يدخل حتى فى التكييف الشرعى للفعل لأنه يأخذ تكييف شرعى آخر كالجهاد. وقد يأخذ فرد تكييفه الشرعى كجهاد دون أن يُقتَل؛ فالذي ينقل الزاد للمجاهدين أو يمدهم بالأموال يأخذ حكم الجهاد بسبب تكييفه الشرعي. فالأفعال مختلفة كأفعال محسوسة لكن أخذوا تكييفا شرعيا واحدا.

 وقد يكونوا متفقين كأفعال محسوسة لكن يأخدوا تكييفا شرعيا مختلفا. التكييف الشرعى نازل على تكييف شرعى والتكييف الشرعى عبارة عن الفعل المحسوس وهو القصد الأول الذي يجعل الفعل إرادى ثم القصد الثانى بالفعل ويقصد به التحاكم.

   افترض مثلاً أن إنسانا ذهب إلي المحكمة أو له حق عند آخر يستوفيه، قد يكون الفعل الشرعى عندما تأتي لتكيفه تقول هذا اتفاق حق، الثانى تسميه تحاكم لأنه فعلاً رغب عن شرع الله إلى غيره أو عدل بشرع الله غيره " إن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين " وإن لم يكن لهم الحق يرغبوا فى الحكم عند غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عند غير شرع الله . فعندما يعرف أن له الحق يأتي، وعندما يكون مبطلا ينحو عن هذا النحو أي يذهب لطريق آخر لأنه يدفع فيه رشوة أو كذا أو يأخذ باطله عن طريق آخر.

 إذاً عندما نري شخص ذاهب إلي محكمة أو يعمل إجراء قد تكون له صفة استيفاء الحق وليس صفة التحاكم، وهناك شخص استوفى أركان التحاكم كاملةً لأنه فعلاً يرغب عن شرع الله إلى غيره ويعدل بشرع الله غيره على حسب المصلحة ماتوجهه فهنا بتحقيق القصد عرفنا أن هذا الفعل تحاكم. معني هذا أننا لا نقول التحاكم ليس كفراً إلا إذا كان الباعث عليه كذا، لكن نقول هذه الأفعال ليست تحاكماً حتى يقترن بها القصد الذي يعطيه صفة التحاكم. فهناك فرق كبير جداً بين الإثنين لأنك لو قلت التحاكم ليس كفر إلا بالباعث كذا يكون معناها أن التحاكم لم يصبح مؤثرا والبواعث الأخرى هى التي أصبحت مؤثرة ، فكل الأمور التي هي من أركان التوحيد خرجت. لكن عندما نقول أن هذه الأفعال أو الأقوال ليست تحاكماً إلا بكذا وكذا من الأفعال مع المقاصد الحالية والمقالية التي توضح معنى التحاكم وإرادة التحاكم يكون هذا قد أصبح تحاكما ويكون حكمه كذا. الكلام الذي يقال كالمجاراة والمداراة ومجاراة البيئة كلام كثير لا يُعرَف منه الباعث لأن صاحبه هو الذي يعبر عنه ولا يمكن إدراكه بالأحوال الحالية والمقالية، لكن المناط ممكن تحقيقه بالقرائن الحالية والمقالية. إذاً انتهت النقطة المتعلقة بالباعث والمناط .

2 . الأمر الآخر هو الفرق بين حقيقة الإسلام وعقد الإسلام :

   هذا الكلام رد عليه الوهابيون قبل ذلك ومفاده أن المرء إذا ارتكب الشرك الأعظم لكن عنده عقد الإسلام و يعبروا عنه بالتلفظ أو الإنتساب أو الإدعاء مع قيامه ببعض الفرائض التي تثبت حسن نيته أي إرادته للإسلام بدليل نطقه إذا أُمِرَ بذلك و قتاله لمن أنكر إسلامه ومع ادعائه فهو يصلى و يصوم ، ولكن مع ادعائه وصلاته وصومه يقع فى الشرك الأعظم.

 إذاً هذا معه عقد الإسلام الذي يسلِم به حتى وهو مشرك ولو بقيَ بهذا  بالعقد الذي يسلم به مع بقاء الشرك حتي الموت و مات على هذا ما دام لم يعرف أن هذا شرك وعاند ، لأنه لو عرف أن هذا شرك وعاند يكون عناد للحجة أي نقض ميثاقه أو نقض عقده فيكون كفره ليس بشركه لكن بنقض العقد واسلامه ليس بتوحيده لكن بإبرام العقد.

 هذا الفهم مستقر عند أناس كثيرين جداً وللأسف الشديد فهم مدمر تماماً للدين ومنافى تماماً لنصوص القرآن والسنة والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى : " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فأخوانكم فى الدين " ، " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " أى تابوا عن الشرك ، و يمكن أن يدخل إنسان الإسلام وهو  مشرك . من قال آمنت الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرُم دمه وماله ، من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرُم دمه وماله ؛ إذاً لايدخل الإسلام إلا ب ( كفر بما يعبد من دون الله ) فقد حرم دمه فعصمة الإسلام نفسها لا تتحقق إلا بكفره بما يعبد من دون الله أي تركه للشرك . سيدنا يوسف يقول لأصحاب السجن : " إنى تركت ملةَ قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وهم بالآخرةِ هم كافرون . واتبعت ملةَ آبائى ابراهيم واسحاق ويعقوب ماكان لنا أن نشرك بالله من شىء " ؛ إذاً ترك الشرك أي ترك دين ودخل فى دين فلا يكون إسلام إلا بترك الشرك و لا يكون إسلام بدون توحيد. بدء الإسلام هو " فإن تابوا " أي ترك الشرك  " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة "،  " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " ، (من قال الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم دمه وماله) ، (من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم دمه وماله) ؛ فإذاً ليس هناك إسلام مع بقاء الشرك.

 من ناحية الخروج نفسه الشرك يحبط العمل لأن ربنا سبحانه وتعالى يقول : " ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئِن أشركت ليحبطن عملُك " ويقول عن الأنبياء " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " .

  آيات القرآن ذكرت أنه لا توبة بعد الموت والذي يموت وهو كافر انتهى أمره ففى سورة البقرة وفى سورة آل عمران وفى سورة النساء :

- الآية الأولي : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يرودونكم عن دينكم ان استطاعوا  ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " .

- الآية الثانية : " ولا الذين يموتون وهم كفار " .

- الآية الثالثة : " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهباً ولو افتدى به " .

 فالذي مات وهو كافر ليست له توبة.

 آية أخرى هي " ولايأمركم ان تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا " – هذا هو الشرك هنا – " أيأمركم بالكفربعد إذ أنتم مسلمون "؛ فهم مسلمون أولاً عندما حققوا حقيقة الاسلام بالإنقياد لله وتصديق خبره، فاذا حصل منهم عبادة لغير الله يكون هذا شرك ينتفى به إسلامهم فيقع الكفر لأنه كما قلنا  الكفر ليست له حقيقة إلا أنه ينفى حقيقة الإسلام فيقع الكفر. فالشرك ينفى الاسلام وانتفاء الاسلام كفر أي لا بدءاً ولا انتهاءً ولا استمراراً ؛ لأن في الإستمرار : "ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون "  معناه " وإذ حضر يعقوب الموت فقال لبنيه ما  تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلاهك وإلاه آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلاهاً واحداً و نحن له مسلمون " وقبلها " ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون "  فمعناها أن يكون مسلم فى كل وقت حتى إذا حضرته الوفاة فى أى وقت يموت مسلماً وليس معناها أن يُسلِمَ عند الموت  فهو لا يدرى متى يموت ، فإذا وافته المنية فى أى وقت لقى الله مسلماً وهذا هو معنى " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون ".

 إذاً لا يمكن استمرار الإسلام مع وقوع الشرك والذي  يموت على الشرك حبط عمله ولذلك الموجبتان : (من مات لايشرك بالله شيئاً دخل الجنه ، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار) ، " إن الله لايغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ".

 البخارى أيضاً يقول فى بابه  : باب المعاصى من امر الجاهلية ولا يكفّر -أو لايكفُر -مرتكبها إلا بالشرك : فالشرك ينفى الإسلام فيتحقق به الكفر لذا قال  ربنا سبحانه و تعالي للرسول صلى الله عليه وسلم : " ولقد أوحى اليك وإلى الذين من قبلك لئِن أشركت ليحبطن عملك" ، وقال عن الأنبياء :" ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانو يعملون " ، و خاطبنا كمؤمنين فقال : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم " فالذي  يموت وهو كافر انتهي أمره . الذي يريد أن يبقي على ملة إبراهيم يترك الشرك، والذي يشرك ويدعى أنه علي ملة إبراهيم فهو كاذب فى ادعائه ؛ ولذلك لما قالوا له أسلمنا قبلك نزلت الآيه على : " قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله " – هذا هو الإسلام - "  فإن تولوا " – أى عن هذا أو عن التوحيد - " فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون " أي مسلمون دونكم وأنكم كفرتم بما نطقت به الكتب وتتابعت عليه الرسل . إذاً فادعائهم هنا الإسلام أو ادعائهم الدين أو انتسابهم وإصرارهم على القيام ببعض فرائضه وشرائعه لايغنى عنهم من الله شيئاً إذا لم يكونوا قد حققوا معنى التوحيد . هذا هو المعنى الثانى الذي يتكلمون  عنه و هو العقد بدلاً من الحقيقة ، لكن حتي يبقي المسلم مسلماً لابد من حقيقة الإسلام وهى توحيد الألوهيه المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبيه وهذا التوحيد هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر أي أقل ما ينطبق به الإسم على مسماه لأن الحقيقة قد تتسع ويتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً لكن أقل ما ينطبق به اسم الحقيقة على مسماه هو الحد الفاصل بين الايمان والكفر وهو حقيقة الاسلام .

   تكلمنا قبل ذلك عن الحقيقة والحد والحكم وكيف تثبت وتكلمنا عن الفرق بين الحقيقة وبين الحد وبين الحكم والحد أقصى مايتسع به الإسم لمسناه وأقل ما ينطبق به الإسم لمسماه وتعدد الحدود بتعدد الدلالات، والحد الفاصل بين الإيمان والكفر لا يتعدد لأنه أحد هذه الدلالات اللى لها مناط معين . هذا هو الكلام الذي يقال على مسألة عقد الإسلام وهذا الكلام رد عليه ابن عبد الوهاب فى ( مفيد المستفيد فى كفر تارك التوحيد ) نصاً لأن أناس كثيرين قالوا أن هذا شرك لكن لايكفر به مرتكبه لأنه يدعى الإسلام ويريده ويدل على ادعائه الإسلام قيامه ببعض الفرائض التي فرضها الإسلام عليه والذي ينسبه لغير الإسلام يأبى منه ذلك فلا يكفر بالشرك إلا إذا كان معانداً. فرد على هذا الكلام وقال أن هناك أناس كثيرين كفروا بالشرك مثل الذين حرّقهم سيدنا على فى الأخاديد ومثل  الحلاج وقداد المزعوم وآخرون بمجرد وقوعهم فى ردة مكفرة ولو أنه يدعى الإسلام ويقيم شعائره وثابت على بقية أركان الدين وارتد بشىءٍ واحد. وأحياناً يقولون أن الإنسان قد يخرج من الشرك تباعاً أي هذا العام يترك عبادة القمر و العام القادم يترك عبادة الشمس ثم يترك عبادة الكواكب ثم يترك عبادة النار ثم يترك عبادة المسيح وهكذا ؛ أي كلما يعرف أن هذا شرك يتركه والذي لا يعرف ويقيم عليه لاحرج عليه وإذا مات علي ذلك يموت مسلماً ويدخل الجنة. طبعاً هذه بدع عظيمة جداً وأقوال فاحشة جداً والدليل على نقدها من الكتاب والسنة واضح كما وضحته  ففى الآيات أنه يكفر ويخرج من الدين بالكفر أو الشرك وليس بنقض العقد .  

3 .انفكاك الظاهر عن الباطن في الإيمان :

   بعد ذلك يعودوا للكلام في مسألة أخري وهى أن الإيمان انفكاك الظاهر عن الباطن فى الإيمان أي أن الإنسان قد يكون مؤمن كامل الايمان لكن ظاهره مختلف ، فيكون مادام   ظاهره مختلف فلابد أن تتحقق من فساد الباطن أو صلاحه ولاتحكم بمجرد الظاهر فالحكم بمجرد الظاهر يجعلك تتوسع فى التكفير . طبعاً هذا خطأ وكلام ابن تيميه نفسه عندما   يتكلم عن الإيمان كقول القلب وقول اللسان و يتكلم عن الإسلام كعمل القلب وعمل الجوارح فيمكن الإنفكاك ، ولذلك : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " فأمكن هنا الإنفكاك لكن عندما يتكلم عن الإيمان كباطن قول وعمل والإسلام كظاهر قول وعمل فهنا لايمكن الإنفكاك وهذا الدليل على أنه لا انفكاك بين الباطن والظاهر.

 وعندما يتكلم عن الإيمان كباطن من قول وعمل والإسلام كظاهر من قول أو عمل تجده يقول لك الحبة لها ظاهر وباطن وكالكلام لايصلح إلا باللسان والشفتين ، ولذلك ربنا سبحانه وتعالي قال:  "وهديناه النجدين"، " ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين " فامتن عليهم باللسان والشفتين لأنه بهما يتم الكلام وبواحد منهما لايتم الكلام ، وكما يقول الإيمان عقائد الإسلام والاسلام شرائع الإيمان فلا يمكن هنا الإنفكاك. فحيث كان الإسلام عمل ظاهر وباطن، والإيمان قول ظاهر وباطن أمكن الإنفكاك. حيث كان الإيمان باطن من قول أو عمل والإسلام ظاهر من قول أو عمل فلا يمكن الإنفكاك فإذاً هذا دليل علي أن الظاهر لا ينفك عن الباطن .

الأمر الآخر أن الإنسان نفسه لايدرى شعوره فشعور الإنسان شىء وشعوره بشعوره شىء آخر أي قد يكون عنده شعور معين ولا يدرى هو نفسه هذا الشعور. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول : " يعلم السر وأخفى"  أي يعلم عنك مالا تعلمه أنت من نفسك لأنه قد يكون فى نفسك شىء وأنت لاتعلم به و ربنا سبحانه و تعالى هو الذى يعلمه . فمعنى " يعلم السر وأخفى " أن الإنسان قد يكون عنده إيمان وهو يظن أنه إيمان و هو أمانى ، وقد يكون عنده وساوس يظن أنها كفر وهى من صريح الايمان . الذي يجعله يجزم أن هذه أمانى وهذه وساوس هو المواقف. لو تعرض لموقف وأحجم عن الكفر ولو كان له فيه غرض لحرمة الله والرسول فى نفسه فهو مؤمن، لو تعرض لموقف لم يجد عنده الإحجام عنه لغرض أي استخف بحرمة الله والرسول والكتاب وكل المقدسات لغرض ولم يجد فى نفسه مايمنعه من الإقدام على هذا الغرض لنيل هذا المطلوب ولو كان فى نيله التعرض لهذه الحرمة فالذي فى نفسه أمانى ولا يستطيع أن يميز ذلك إلا بالظاهر نفسه وهو الذي يحكم عليه.

 ولذلك سيدنا عمر لم يكن يدرى من نفسه أن الرسول أحب إليه من نفسه فلما وقف فى موقف يعرف أن هذا فيصل الإيمان شعر أنه لايمكن أن يضحى بإيمانه لأجل حبه لنفسه  وأن الرسول فعلاً أحب اليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين.

 قد يتعرض إنسان للهلاك هو وأولاده بسبب موقف فيه دفاع عن دينه أو لمنع الاستخفاف بحرمة دينه أو للذود عن مقدساته ففي هذه الحالة الرسول أحب اليه من نفسه وماله وولده ، لكن لو كان قد استخف بالحرمة للحفاظ على ماله ونفسه وولده فيكون هؤلاء أحب اليه من الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهذا قد يكون فى نفسه أن الرسول أحب لكن لايعرف من نفسه حقيقة ما هو عليه حتى يضع نفسه على محك ظاهر حتي تثبت بالتجربة إقداماً وإحجاماً ، إقداماً على المكفرات أو إحجاماً عنها ، وإقداماً على الطاعات أو إحجاماً عنها ، فهذا كله يشرح للإنسان حقيقة نفسه فيعرف نفسه . فإذاً هنا الباطن نفسه يحكم عليه الظاهر أي هو الطريق إلى معرفة الظاهر و الذي  يحكم عليه هو الظاهر ، والظاهر عبارة عن مرادات متعلقة بإيرادات مع وجود قدرة و هذه الإيرادات منبثقة من معانى.

 المعانى هي إيمان والإرادات المنبثقة من المعانى إسلام، الإرادات داخل النفس والمعانى أيضاً داخل النفس ولكن كل المعانى داخل النفس ولا يوجد منها جزء خارج . الإرادات منها جزء داخل النفس ومنها جزء خارج النفس الذي يتحقق كنتيجة لها وهو المرادات . فالإرادة داخل النفس متصلة بالمراد خارج النفس  والمعانى داخل النفس متصلة بالإرادة أو هى المحركة للإرادة داخل النفس ، المعانى معنى مستقر ثابت والارادة شيء متغير، المعانى مثل السماحة والصبر والإرادة مثل إرادة إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس ينام.

 الإرادة موجوده عند الانسان فلما تأتي دواعيها تقع مراداتها التي هى الأفعال أو مثل إرادة إغاثه الملهوف لما توجد دواعيها تقع مرادتها وهى إغاثة الملهوف وهذه أتت من خلق عنده هو السماحة  والصبر أوحب الاخرين.

 أخوة الإيمان تبقى معانى مستقره ينبثق منها القصد  المتحرك.

 فهنا أيضاً يقول لك ليس هناك تلازم بين الظاهر والباطن ويمكن أن تكون أفعال الإنسان  كلها مؤولة ثم نبحث عن انخرام الباطن أو عدم انخرامه. فإذا كان الباطن لم ينخرم لا ننظر في الظاهر فهو ينظر للظاهر من حيث دلالته على انخرام الباطن و ليس من حيث دلالة النصوص على أن هذه الأفعال مكفرة ؛ فإذا دلت النصوص على أن هذه الأفعال مكفرة ولم تقم عنده الدلالة على انخرام الباطن لايكفِّر بها ويوؤله، وإذا قامت عنده هو الدلاله على انخرام الباطن بأفعال أخرى لم يكِّفر بها الشرع يكفر بها أي يعلق الحكم بالدلالة على انخرام الباطن حسب قاعدته فى انخرام الباطن.

 قريب من هذا المعنى الثانى وهو الناس الذين أثبتوا توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية لكن جاء فى توحيد الربوبية ونواقضه المكفرة فقال لك الكفر الإعتقادى فالتبس عنده الأمر؛  فكل ما هو متصل بالإعتقاد يكفر به  " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " هذا كفر ، لكن " من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " هذا كفر عملى ليس كفرا اعتقادياً فلا يكفر . إذاً هذا ظاهر و مؤول ؛ ظاهر لأن الطعن فى الأنساب والنياحة على الميت هي أعمال والشرع كفَّر بها ومعلوم من الدين بالضرورة أن مرتكبها لايكفر فتكون أحكام أو أقوال الشارع هنا مؤولة ، إذاً مادام الطعن فى الأنساب والنياحة على الميت أعمال لم يكفر مرتكبها رغم وجود النص بكفره فكل ما هو أعمال لايكفر مرتكبها رغم وجود النص بكفره ويؤول وكل ما هو اعتقادات يكفر مرتكبها عند وجود النص ب بكفره ولا يؤول .  فهنا نأتي لمن يثبت التوحيد نجده يثبت توحيد الإرادة والقصد والطلب و يثبت توحيد الخبر والعلم والمعرفة فتقول له أنت أثبت توحيد ليس له نواقض مكفره إلا بالدلاله على انخرام المعانى التي فى القلب التي هى أحب الأشياء إلي الله وأحقها بالتعظيم وأولاها بالطاعة ، فإذا قامت دلالة على انخرام أحد هذه المبانى الثلاثه يكفر مرتكب هذا الفعل بهذه الدلالة   حتى ولو لم يكن الشرع يكفره فى هذا الفعل ، وإذا وقع فى أفعال يكفره فيها الشارع لكن لم تقم عنده الدلاله على انخرام هذه المعانى الثلاثة يكون هذا الكفر مؤول . طبعاً هنا هو لم يدرك الضابط الذي حررناه و هو أن الطعن فى الأنساب والنياحة على الميت فيه لفظ   مُنكَّر ؛ فإذا كان الكفر منكر أو مقيد لا يُخرج من الملة و ليس له علاقة بكونه عملى أو  اعتقادى ، فالمطلق و المعرف يُخرِج من الملة ، فهو لم يراعى هذه الضوابط اللفظية فوقع فى هذا الخطأ حيث يطنب في ذكر التوحيد الإرادى القصدى الطلبى و يلغي كل نواقضه المكفرة لأن كلها أعمال ليست اعتقادات .