تابع معرفة مسالك التوحيد: المسلك الثالث والرابع

12 يونيو, 2015

المسلك الثالث : المعانى اللغوية لمعنى العبادة فى استعمالات القرآن الكريم :

    العبادة لها سبعة معانى ، خمسة منها متعلقين بأصل الدين ، واثنين متعلقين بفروع الدين أو بالأعمال :

1 . الأول غاية الحب .

2 . الثاني غاية الطاعة أو غاية الذل أو غاية الإنقياد .

3 . الثالث حق الله الخالص سبحانه وتعالى .

4 . الرابع حق الله الخالص فى العادات والعبادات والمعاملات .

5 . الخامس مطلق القصد ؛ العبادة بمعنى القصد ، والمعبود يعنى المقصود .

هذه الخمسة معانٍ متعلقة بالتوحيد ، أما المعنيين الآخرين متعلقين بفروع الأعمال و هما :  

 1 .  العبادات بمعناها الخاص ، وتفترق عن العادات والمعاملات بأربعة فروق :

 الأول : أنها حق خالص لله ، والعادات والمعاملات فيها الحقوق الأربعة ؛ فيها ماهو حق خالص لله ، وما هو حق خالص للعبد ، وما فيه الحقان حق الله وحق العبد وحق الله غالب ، وما فيه الحقان حق الله وحق العبد وحق العبد غالب .

الثانى : أنها توقيفية مثل " صلوا كما رأيتمونى أصلى " .

الثالث : الإجتهاد فيها يسير .

الرابع : مبناها ليس على تدبر المعانى والنظر فى المقاصد .

2 . العبادة بمعناها العام وهى فعل المأمور كل المأمور وترك المحظور كل المحظور .

  المعني الأول : الحب هو الولاء ، والولاء فى القرآن ثلاثة أنواع : ولاء الإتباع وولاء النصرة وولاء النسك :

1 . ولاء الإتباع : فى قول الله سبحانه و تعالى " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتخذوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون "  ، " الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " ،  " إنَّ وليىَّ الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين" ،  " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم "  ، "قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين". إذاً هنا ولاية اتباع.

2 . ولاء النصرة : فى قول الله سبحانه و تعالي " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " ، وفى سورة المجادلة " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون". حزب الله يعنى جماعة المؤمنين الذين يلتقوا على ولاء النصرة: ( المسلمون أمة واحدة تتكافأ دمائهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ) ؛ ( يد على من سواهم ) بمعني " أشداء على الكفار رحماء بينهم " ، " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "  وهذه رابطة الإيمان "  كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا " .. ( مثل المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . هذه كلها معاني الترابط الإيمانى وهذه معنى الولاية أي ولاية النصرة .

3 . ولاء النسك: فى قول الله سبحانه وتعالى "والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" ، فهذه ولاية نسك .

     إذاً هذا معنى الحب؛ الحب ولاية والولاء ثلاث ولايات أو ثلاث شعب، ويكون معني العبادة حب والحب ولاء والولاء ولاء اتباع ونصرة ونسك، ويكون معني التوحيد إفراد الله بالعباده أي إفراد الله بغاية الحب أي إفراد الله بغاية الولاء فى النصرة والنسك والإتباع .

   المعني الثاني : الدين هو الطاعة والإنقياد ، كما في ( كانت نوار تدينك الأديان) – أي قبيلة نوار تدينك الأديان فتفرض عليك الطاعة والخضوع ، حتي كلمة المدينة جاءت أنها مذللة من كثرة العبور ، والمدينة والمدين فى اللغة هو العبد والأمة أرهقهما العمل كأنه أذلهما من كثرة العمل . كلمة المدين والدائن ليست بمعنى الدين و قد تكون كذلك لكنها بمعني المخضع والخاضع " ألا لله الدين الخالص " أي الطاعة الخالصة . ولذلك كان ابن تيمية يقول : الإسلام دين ، والدين مصدر دان . لم يقل الإيمان دين لكن قال الإسلام دين " ورضيت لكم الاسلام دينا " ، لم يقل و رضيت لكم الإسلام معرفةً و يقيناً و إيماناً و تصديقاً لكن قال : " ورضيت لكم الإسلام ديناً "  ،  " إن الدين عند الله الإسلام " فالدين معناه الخضوع والإنقياد . لذا فالعباده هي غاية الذل وغاية الذل هي الطاعة فيكون التوحيد هو إفراد الله بالعبادة أي إفراد الله بغاية الطاعة بمعني تحقيق العبودية لله بقبول شرعه ورفض ما سواه " ألا لله الدين الخالص "  و هذا هو معني "  قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين وأمرت بأن أكون أول المسلمين  " ؛ مخلصاً له الدين أي مخلصاً له الطاعة . " ألا لله الدين الخالص "  تعني  الطاعة الخالصة التى لايشترك معه فيها أحد فلاتشرك معه فيها أحد ، دين خالص أي طاعة خالصة.

 إذاً لفظ العبادة يقتصر هنا على معنى واحد فقط وهو تحقيق العبودية لله بقبول شرعه ورفض ما سواه ببذل الدين الخالص وهو الطاعة الخالصة والإنقياد الخالص غير المشوب لله وحده .

    إذا كان الدين هو الطريقة فالطريقة لاتكون مرضيه إلا إذا كانت اسلاماً بمعني انقياداً وخضوعاً واستسلاماً لأن الإسلام فى اللغة له معنيين : الإستسلام والإخلاص ؛ أسلم أى استسلم وأسلم أى أخلص وهذا فى قول الله سبحانه وتعالى " ورجلاً سلماً لرجل " أي خالصاً له. فيكون الإسلام معناه من هذين المعنيين هو الإستسلام الخالص لله وهو أن تستسلم لله وحده ؛ فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، ومن رد الإستسلام فهو مستكبر أو معطل وكلاهما كافر. وبذلك من عبد الله وعبد معه غيره يكون قد استسلم لله و لغيره ، ومن عبد الله وحده يكون قد استسلم لله وحده ، ومن رفض أن يعبد الله أو يعبد غيره فهو معطل والمشرك خير من المعطل وكلاهما كافر.

 هذا هو معنى الإسلام والإستسلام والإخلاص وعلاقته بمعنى الدين وعلاقته بمعنى العبادة فتكون الثلاثة معانٍ متسايرة وهي غاية الإنقياد فتكون العبادة هنا معناها غاية الذل أي غاية الإنقياد وغاية الطاعة ومعناها الدين الخالص أو إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى أو إخلاص الطاعه لله سبحانه وتعالى الذي يعني تحقيق العبودية لله بقبول شرعه ورفض ما سواه .

     المعنى الثالث : هي حق الله الخالص :أيكم يرضى أن يكون ذلك عبده )  قيلت فيمن يعمل ويؤدى إلى غير سيده ؛ فالذي يعمل ويؤدى إلى سيده وحده يكون هو الذي أدى الحق الخالص والذى يعمل ويؤدى إلى سيده وغير سيده يكون الحق ليس بخالص ، والذى يعمل ويؤدى إلى غير سيده يكون صرف الحق إلى غير أهله . إذاً فمعني العبادة هو حق الله الخالص . حقوق الله الخالصة فى القرآن الكريم والسنة المطهرة إذا تتبعتها تجدها أربعة :

1 . الحق الخالص الأول : " إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم" ،  "وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله " ، " أفغير الله أبتغى حكماً وهو الذى نزل إليكم الكتاب مفصلا ".

2 . الحق الخالص الثانى : " قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم ، قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين " .

3 . الحق الخالص الثالث : " قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ، لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " وهو النسك الظاهر

4 . الحق الخالص الرابع : هو الأعمال القلبية : التفويض والتوكل والإنابة والإخبات والإطمئنان والتسليم التي يتوجه بها القلب إلى الله سبحانه وتعالى وحده سواءٌ كانت متعلقة بالنسك الظاهر من صلاة وصوم وزكاة أو مستقلة عنهم كالذكر والتأمل والعبادة وما إلى ذلك.

    إذاً هذه هي الحقوق ؛ الأعمال القلبية والنسك الظاهر والحكم والولاء ، وهذا على سبيل الحصر ولا تجد حقاً خامساً. كل الحقوق الخالصة لله هذه الأربعة على سبيل الحصر.

 إذاً مادامت العبادة هى حق الله الخالص ، والتوحيد هو إفراد الله بالعبادة  يكون التوحيد هو إفراد الله بحقه الخالص . نقول مثلاً هنا الصلاة حق خالص لله أدائها طاعة والتقصير فيها معصية، وصرفها إلى الله وحده توحيد وصرفها إلى غير الله معه أو من دونه شرك .

 إذاً عرفنا الفرق بين الأربعة ؛ فالصلاة حق خالص لله أدائها طاعة – ليست توحيد ولا شرك - طاعة والتقصير فيها ما يقابل الطاعة وهي معصية ، صرفها إلى الله وحده توحيد ، صرفها إلى إلى غير الله معه أو من دونه شرك . ولذلك كما ضربنا المثال من قبل : (عبدى استطعمتك فلم تطعمنى ، وعبدى استكسوتك فلم تكسنى ، وعبدى مرضت فلم تعدنى..) قلنا أن هذا حق الله لكن مصروفاً إلى العبد.. مرض عبدى فلان.. استكساك عبدى فلان.. استطعمك عبدى فلان..، لكن لا يصلح أن يقول لوصليت لعبدى لكن يقول ( لو أطعمته لوجدت ذلك عندى ، و لو عدته لوجدت ذلك عندى ، و لو كسوته لوجدت ذلك عندى  ) . إذاً هذا حق الله مصروفاً إلى العبد.

 والمباح هو مصروف إلى غير الله ولايكون إلى الله إلا إذا أسقطت منه الحظ ونويت به التقوى على الطاعة أو قبول هدية المنعم إذاً تتحول هنا العادة إلى عبادة . لكن رغم كونه في استواء الطرفين فليس فيه حق من حقوق التكليف من حيث أنه  مأمور أو محذور ، لا هو مطلوب الفعل ولا هو مطلوب الترك فيكون وجه التكليف فيه  قبول شرع الله فيه بوضعه هذا الوضع وأخذه من تحت الإذن الشرعى وليس على مقتضى الإسترسال الطبيعى . إذاً نقله من استواء الطرفين إلى طلب الترك يكون نقله من الإباحة إلى التحريم أي حرموا ما أحل الله لهم " إنى خلقت عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "  ، " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراءاً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين "  . المباح يتغير حكمه من حيث الجزء والكل وتنقله إلى درجه أخرى من درجات الأحكام ؛ فقد يكون هناك مستوى الطرفين من حيث الجزء مطلوب الترك من حيث الكل ، أو مستوى الطرفين من حيث الجزء مطلوب الفعل من حيث الكل ، أو مستوى الطرفين من حيث الجزء مستوى الطرفين من حيث الكل .

   المعنى الرابع : هي حق الله الخالص فى الشعب الثلاث و هى العبادات والعادات والمعاملات:

   وهذا تفسير مباشر للآية التى شرحناها قبل ذلك و هى " قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت و أنا أول المسلمين " .  قلنا أن هناك  ثلاث مراتب تكليف وثلاث أنواع تكليف أو ثلاث أنواع تعبدات :

1 . أنواع التعبدات الثلاثة هى : العبادات والعادات والمعاملات .

2 . مراتب التكليف الثلاثة هى : الإسلام والإيمان والإحسان أو المجمل و الواجب والكامل المستحب .

    فالنسك مثل الصلاة حق الله فيها هو صرفها إليه وحده أي لاتصرف إلا لله سبحانه وتعالى و هذا حق الله الخالص فيها ، ثم  قبول شرعه و موالاة أهل هذا الشرع عليه . العادات والمعاملات ومنها المباح قلنا أن حق الله فيها :

1 . في المرتبة الأولي : ينصرف إلى العبد ، وحق الله فيها هو قبول شرع الله فيها وموالاة أهل هذا الشرع عليه و هذا فى المرتبة الأولى من مراتب التكليف .

2 . في المرتبة الثانية : من مراتب التكليف سواء كانت عادات أو عبادات أو معاملات حق الله فيها هو فعل المأمور كل المأمور وترك المحظور كل المحظور من حيث الواجب والمحرم .

3 . فى المرتبة الثالثة : حق الله في الأنواع الثلاثة من التعبدات سواء كانت عبادات أو عادات أو معاملات هو فعل المندوب وترك المكروه. والمسارعة إلى الخيرات والتوغل  فى التطوعات وترك المكروهات – أي ليس التوقف فقط على ترك المكروهات بل معها التوغل فى التطوعات  والمسارعة إلى الخيرات " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات "  . هذا هو معنى السبق بالخيرات وهنا تدخل عبادة المباح أن يفعله على جهة اسقاط الحظ وقبول هدية المنعم والتقوى به على الطاعة كما كان يقول الصحابى :  إنى أحتسب نومتى كما أحتسب قومتى ، لأنه يتقوى بها على الطاعة وبيقبل هدية المنعم لأن هذه رخصة و (الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه)  ولا يأخذها من جهة حظ النفس و لكن يأخذها من المسلكين هذين وهما قبول هدية المنعم والتقوى بها على الطاعة مع إسقاط حظ النفس فيها فتتحول بالنسبة له العادة إلى عبادة بمجرد استحضار هذه النية وعدم غيابها ويكون صادق فيها فتعظم أعماله لأن كل المباحات تكون بالنسبة له قربات، وهذا باب واسع من أبواب العبادة جداً أي يعطى الله فيه فضله لمن يشاء، ويضاعف فيه الحسنات باستحضار النية الجازمة والتوجه الصادق إلى الله سبحانه وتعالى وهذا صعب ليس سهلاً.

 إذا كنا نقول أن العبادة هى حق الله الخالص فى هذه الأمور الثلاثة فيكون التوحيد هو إفراد الله بحقه الخالص فى هذه الأمور الثلاثة،  ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال " قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين  " .

  المعني الخامس : هى القصد :

    القصد هو أن تقصد بفعلك – كما قلنا في المعني الأول - الإستعانة بالله سبحانه وتعالى والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى على وجه غيبى غير معقول المعنى وهذا هو المعنى الفطرى للعبادة الذي رأيناه مع سيدنا إبراهيم لما سأل قومه : " ماهذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون . قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين " . ولذلك يعرف ابن تيمية وابن القيم نوعيّ التوحيد بقولهم:

   1 . توحيد خبرى علمى معرفى: وهو توحيد الربوبيه أو يُسمَّي الإيمان أو قول أو توحيد اعتقاد.

2 . توحيد إرادى قصدى طلبى : وهو توحيد الألوهية أو يُسمَّي توحيد عبادة أو عمل وهذه  مترادفات فى الأسماء.

إرادي أي تبتغى بعملك وجه الله فى كل ما تفعل ؛ لذلك عندما نريد أن نعرف التوحيد بأنه إرادى قصدى طلبى أو خبرى علمى معرفى ننظر إلي توفر عنصر الإرادة فى الفعل أو لا فإذا كان فيه الإرادة يكون توحيد إرادى قصدى طلبى أي توحيد عبادة، إذا لم يكن فيه أو فيه معني الخبر يكون توحيد خبرى علمى معرفى . لذلك عندما تقرأ الآية   " قل أغير الله أتخذ ولياً " نجد أن الإتخاذ والإبتغاء إرادة ، وسيدنا إبراهيم عندما يقول لقومه  " فابتغوا عند الله الرزق "  وابتغاء الرزق عند الله عبادة ألوهيه فلذلك اعتقاد أن الله هو الرازق عبادة ربوبية  وابتغاء الرزق من الله وحده عبادة ألوهية لأنه فيه معنى توحيد العبادة . " إياك نعبد ، وإياك نستعين " أي افراد الله بالقصد استعانةً وتقرباً ؛ فأى عمل فيه تقرب إلى الله يكون إلى الله سبحانه وتعالى وحده وأى عمل فيه استعانة تكون فيه استعانة بالله سبحانه وتعالى وحده والتقرب والإستعانة هنا على وجه غيبى غير معقول المعنى غير التقرب والاستعانة الحسية المادية التي تقع بين العباد بعضهم البعض

 

المسلك الرابع : كيف تعرف أن هذا ركن من أركان التوحيد :

   وهو مسلك سهل و لكن فيه تفصيلات كثيرة وله فوائد جمة فى نفس الوقت ويقوم علي أساس كيف تعرف أن هذا ركن من أركان التوحيد أي هل هذا العمل راجع إلى التوحيد أو لا فهو يحيط في مراحل متعددة. أولاً نعرف أركان التوحيد بثلاثة أمور:

1. أن يكون فيه معنى إفراد الله بما لايكون إلا لله : فأي ركن من أركان التوحيد حتي يكون كذلك لابد أن يتحقق فيه هذا الشرط سواء كان هذا الإفراد خبرى علمى معرفى أو إرادى قصدى طلبى .

2 . أن تكون نواقض هذا الإفراد مكفرة كفراً ينقل عن الملة .

3 . أن تكون النواقض لهذا الإفراد محرمة تحريم أبدى تام لاتُبَاح فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات .

فكل ركن استوفَى الشروط الثلاثة يكون ركن من أركان التوحيد و إن لم يستوفِ الشروط الثلاثة لا يكون ركن من أركان التوحيد ، وهذه الضوابط كما أنها مفيدة فى معرفة أركان التوحيد ففي نفس الوقت هي مفيدة فى معرفة نواقض التوحيد.

 إذاً حتي تعرف أن هذا الناقض مكفر أو لا فلابد من تنزيل الحكم على مناطه ليتضح هل هذا الحكم كفر ينقل عن الملة أم أن هذا المناط مناط لهذا الحكم ومناط حقيقى فى الشروط المستوفية للمناط فنعرف أن الفعل مكفر.

 وحتي نعرف أنه أيضاً مكفر لابد أن نتأكد أنه لا يوجد حكم آخر ينقضه أو يخصصه فيكون محرم تحريم أبدى خالد لايباح بحال من الأحوال فلابد أن يكون ناقضاً من نواقض التوحيد أي ناقض من نواقض إفراد الله بما لايكون إلا لله . إذاً فقد حسمنا القضية ؛ أي لتعرف أن هذا ركن فلابد أن يتحقق فيه معنى الإفراد ولا بد أن تكون نواقض الإفراد  مكفرة و لابد أن تكون النواقض محرمة تحريم أبدى خالد .

 حتي تعرف أن هذا الفعل مكفر فلابد أن يكون فيه فعل ينقل عن الملة متنزل على المناط ، ويكون المناط المكفر هذا من نواقض الإفراد ؛ من نواقض إفراد الله بما لا يكون إلا لله ، ويكون هذا الفعل المكفر محرم تحريم خالد لا يباح بحال من الأحوال.

 إذا استوفيت الشروط الثلاثة هذه يكون الفعل شرك وناقض من نواقض التوحيد ولا مجال لإعتباره شرك أصغر أو شرك دون شرك أوكفر دون كفر أو كفر مجازى إذا استوفى هذه الشروط الثلاثة.

 لكن إذا لم يستوفِ الشروط الثلاثة مثل  ترك الصلاة فقد يُختَلَف فيه لأنه ليس محرماً تحريم أبدى خالد فى حال من الأحوال لأن الصلاة لم تكن مفروضة ثم فرضت ؛ فلم يستوفِ شرط وليس ناقضاً من نواقض إفراد الله بما لايكون إلا لله لأنه لم يصرفها إلى غير الله ولكن قصَّرَ فى أدائها. إذاً فقد استوفى شرط واحد فقط و قد يحتج عليك أناسٌ آخرين واحتجاجهم مقبول بقوله تعالي  " إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "  فمادام هو ليس شركاً أي ليس مراتب التوحيد يكون  الكفر الذي فيه كفر مجازى أو كفر مقيد بقيود خاصة ، فالإجماع على الترك أو الإباء من قبول الفرائض تقييد مقبول لكن فى الأمر الآخر تقييد غير مقبول . ولذلك الصحابة أنفسهم قد يختلفون فى كفر تارك الصلاة والسلف يختلفوا والأئمة تختلف فى كفر تارك الصلاة لكن لا يختلفون فى كفر من ارتكب ناقضاً من نواقض التوحيد  إذا استوفى الشروط الثلاثة التي تكلمنا عنها . أيضاً في حديث (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) نجد له نص آخر يقول أن من يأتِ الكاهن فقد بطلت صلاته أربعين يوماً أي لم يكفر فيكون الكفر هنا ليس علي إطلاقه أو لا ينقل عن الملة أو يكون مقيداً بإعتقاد صدقه فلم يأتهِ علي سبيل العادة أو على سبيل الإلف أو اللعب .

    إذا أنزلنا هذه الضوابط علي قوله تعالي : " من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ، نريد أن نري هل هذا الفعل كفر ينقل عن الملة أو لا ينقل عن الملة وهو الأمر العكسي فنري الألفاظ التي تنقل والتي لا تنقل  . نريد أن نثبت شيئين :

الأول : هل إفراد الله بالحكم ركن من أركان التوحيد أم لا .

الثاني : إثبات أن " من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " هى كفر ينقل عن الملة أو لاينقل عن الملة .

هذان المرتبتان شيء واحد و لكن عكس بعضهما فى الإثبات . نريد أن نثبت :

1 . هل إفراد الله بالحكم ركن من أركان التوحيد أم لا فنقول هل متحقق فيه إفراد الله بما لايكون إلا لله ؟ تجد أنه متحقق ، كيف ؟: " إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم " ، " وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله "  ،  " قل أغير الله أبتغى حكما وهو الذى نزل إليكم الكتاب مفصلا " ، " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ، " أفحكم الجاهليه يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون " ، " ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون " . هذا كله حق خالص لله فيكون متحققاً فيه إفراد الله بما لايكون إلا لله .

2 . هل كان فى وقت من الأوقات له نواقض مكفرة أم لا ؟ ، نعم له نواقض مكفرة . ما هي النواقض المكفرة ؟   " من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ، " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما  "   ونجد نواقض كثيره لهذا الركن مكفرة.

    نأخذ ناقض مثل " من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون "  لنري هل هو مكفِّر أم لا. ننظر أولاً إلي تنزيل الحكم على مناطه ، والمناط محتاج إلي تنقيح مناط وتحقيق مناط، والحكم محتاج إلي معرفة ألفاظ الحكم هل هي من الألفاظ التى تنقل أم لا؟

فالألفاظ اللى تنقل هي :

1 . لفظ الكفر : إذا كان مطلقاً ومعرفاً ينقل وإذا كان مقيداً ومنكراً لا ينقل.      

2 . إذا نفى الإيمان لكن أثبت أنه إسلام بإشارة لفظية أو معنوية، أو أثبت الإيمان فى وضع نفس الفعل مرة ونفاه مرة ؛ أثبته باعتبار ونفاه باعتبار آخر فيكون قد نفي وجوب الإيمان .

إذا نفى الإيمان نفياً مطلقاً ولم يثبت وصف الإيمان لهذا الفعل بأى اعتبار ولا فى حال دون حال ولا فى وجه دون وجه، ولم يثبت الإسلام لا بإشارة لفظية ولا معنوية يكون قد نفي  أصل الإيمان.  

3 . نفى الصلة : إذا نفى الصلة بكل وجه ولم يثبتها من أى وجه " ليس من الله فى شىء " يكون كفراً . إذا قال " ليس منا " يكون قد نفاه من وجه وأثبته من وجه آخر فلاينقل عن الملة.

4 . لفظ النفاق : الأصل فيه أنه ينقل إلا إذا أفادت القرينة أنه شعبة من شعب النفاق أو خصلة من خصل النفاق أو نفاق عملى ليس نفاق اعتقادى ينقل عن الملة ، فيكون فى هذه الحالة لاينقل .  

5 . لفظ الشرك : الأصل فيه أنه ينقل .

إذاً لفظ الكفر ليس فيه أصل ؛ لفظ الكفر حسب القرينة ، إما أن يأتى مطلقاً ، إما أن يأتى مطلقاً ومعرفاً فينقل فيأتى منكراً ومقيداً فلا يعمل. ونفى الإيمان إما أن يأتى ينفى إيمان ويثبت إسلام ، أو ينفى إيمان بوجه دون وجه، أو ينفيه بحال ويثبته بحال، أو ينفيه باعتبار ويثبته باعتبار فيكون هذا النفى لاينقل ، أو ينفيه بكل اعتبار ولا يثبت معه الإسلام لا بإشارة لفظية ولا معنوية فينقل . إذاً له الحالتين لكن ليس فيه أصل إما أن يكون هكذا أو يكون هكذا.

لفظ الشرك ولفظ النفاق فيه أصل؛ الأصل فيه أنه ينقل إلا إذا أفادت القرينة أنه لا ينقل بكونه شعبة من شعب النفاق أو بكونه شركاً أصغر بدلالة اللفظ؛ الرسول صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الشرك الأصغر ماهو فقال " الرياء" ، أو بدلالة النص على نفس الفعل : " الطيرة شرك.. وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل " . أونص آخر بدلالة الفعل أي بدلالة النص على بعضه أو نص آخر " من حلف بغير الله فقد أشرك " ثم تأتي تقول : وحياتى ، وحياتك ، وكذا فهذا يفيد أنه شرك أصغر . فإذا لم تكن الدلالات الثلاثة موجودة أو القرائن الثلاثة موجودة ، ولا واحدة منهم موجودة فينقل . إذا وجدت قرينة تفيد أنه لاينقل فيكون لا ينقل . لفظ النفاق أيضاً إذا وُجِدَ ما يفيد أنه شعبة أو خصلة أو خلة أوسلوك عملى ليس مسألة اعتقادية  صادرة عن بغض أوذبذبة ولاء أو مواقف المنافقين المعروفة فى القرآن فيكون معناها أنه لاينقل.

 إذا لم يوجد هذا يكون الأصل فيه أنه نفاق خالص ينقل .

وهكذا مثلاً لفظ اللعن إذا كان خبرى ويفيد التأبيد ينقل ، على صيغة الدعاء مع التقييد لا ينقل .

6 . العذاب الأخروى :إذا قال " أصحاب النار هم فيها خالدون " يكون قد جمع كونهم أصحاب النار والخلود فيها فينقل . " خالدين فيها أبدا " الخلود مع التأبيد ينقل . إذا قال " فى النار " فقط لا ينقل إلا إذا أفادت قرينة أخرى أنه ينقل  . إذاً لفظ " فى النار " وحده لا يفيد أنه خروج من الملة ، لكن " أصحاب النار هم فيها خالدون " أو " خالدين فيها أبدا " ينقل مباشرةً لكونهم أصحاب النار مع الخلود أو الخلود مع التأبيد،" لايدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط".

 والتحريم أيضاً " لا يدخل الجنة " لا تفيد أنه ينقل، أو " إن الله حرم الجنة على كذا " أو لايدخل جنة الفردوس الأعلى أومع أول الداخلين تنقل . أبو هريرة ذكر " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها " وكلمة جزاؤه هذه أضعف أنواع الوعيد لأن هذا  جزاؤه ولكن قد لا يُجازَي به لوجود مانع أو لعدم استيفاء شرط . معنى كلمة جزاؤه أن هذا  عقاب ولكن لم يقل أنه سيصرفه عن هذا العقاب صارف ؛ بحسنات مكفرة ، ببلاء واقع عليه ، بالمسائل التى تصرف الجزاء ، فقوله جزاؤه غير أن يقول " أولئك أصحاب النار " أي   أصحابها الحقيقيون أي أولى بها من غيرهم " أصحاب النار هم فيها خالدون " لكن قال " فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما".

لو قال " عذاب مهين" يكون للكفار، " عذاب أليم " يكون للكفار والمسلمين لا يقطع بكونه ينقل. تحريم الجنة أيضاً  " انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار " ، عندما يقول ( حرم الجنة ) أو "  لايدخل الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط " فهذا ينقل . إذا قال ( لا يدخل الجنة نمام ) أي لا يدخلها مع أول الداخلين أو لايدخل جنة الفردوس الأعلى  أو ( لا يجاورنى فيها بخيل ) يكون معناها أنه لا يدخل مع أول الداخلين أو لا يدخل جنات معينة وهي الجنان العليا ؛ مهما كات أعماله لا يصل إلى هذه الجنة وهذا معنى العذاب الأخروى .

7  . كلمة الضلال : قد تأتى بمعنى ضلال المعصية أو ضلال البدعة أو ضلال الكفر أو مطلق الحيرة من غير ذم " ووجدك ضالا فهدى "  أي حيرة ليس فيها ذم . ضلال المعصية مثل " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالاً مبينا " . ضلال البدعة مثل ( كل بدعة ضلالة ) .  ضلال الكفر مثل " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " فالضالين مثل ضلال النصارى      ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ) . فقد يكون ضلال كفر أو ضلال بدعة أو ضلال معصية أو ضلال حيرة حسب القرينة  .

8 . ألفاظ الذم والإثم والمعصية والسيئة والكره والمكروه والخطء والخطيئة والمنكر والفحشاء ، كل هذه الأصل فيها أنها لا تنقل إلا إذا جاءت قرينة تفيد أنها تنقل مثل " وأحاطت به خطيئته " فالمؤمن لا تحيط به خطيئته أبداً فتكون هذه خطيئة الكافر .

9 . لفظ الظلم ولفظ الفسق: الأصل فيه أنه لاينقل إلا إذا جات قرينة تفيد أنه ينقل ، ويستخدم فى القرآن كثيراً لفظ الظلم والفسق فيما ينقل عن الملة و تكون القرينة واضحة معه، مثل : "ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون" فى سورة الممتحنة ، وكل المفسرين يقولون (الظالمون ) هم المشركون فى هذا المعنى، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما قيل له: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال ( ليس بذاك ، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح " إنَّ الشرك لظلم عظيم").

    إذاً فتنظر أولاً هل لفظ الحكم هنا ينقل أم لا ينقل؟.

 الأمر مهم جداً لمن يتكلم فيه لأن أناسٌ كثيرون ممن يدَّعونَ العلم يقعوا فى إشكالات كثيرة بسبب افتقادهم لهذه الضوابط فأهم أمر هو تحرير هذه الضوابط اللفظية. هذا الكلام في غاية الأهمية وهو الذي يجعلك على الصراط المستقيم فلا تنحو نحو الإرجاء والجهمية، ولا تنحو نحو الخوارج فى التكفير والغلو، وتقيس بمقياس الذهب بضوابط تستخدمها بإتقان بالغ وبدقة بالغة. فمثلاً " فأولئك هم ال " – أولئك: تعريف ، هم : تعريف ، ال: تعريف ؛ فينقل و لا مجال لكون هذا الفعل لا ينقل :

المرتبة الأولي: تنقيح المناط : " فأولئك هم الكافرون " هل لها مناط أم لا ؟ لها مناط ، ما هو هذا المناط ؟ دائماً ما  قبل الفاء مناط لما بعدها ؛ " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " مثل " السارق والسارقة فاقطعوا  " ، " الزانية والزانى فاجلدوا " ، ( زنى ماعز فرجم )، " فبظلمٍ من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " ، " كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " ..

 هذه  أدوات التأثير التي تربط الحكم بالمناط فما بعد الفاء يكون حكم يتنزل على ما قبلها . هنا هل يوجد خصوصية للمحل كونهم يهود أو كذا أو مزاحمة للأوصاف ؟ لا يوجد ، مثل " لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون " فنحن لا نعرف  هل اللعن متحقق ، وهل لفظ اللعن والكفر منصب على الأربعة مع بعضهم أم مع واحد منهم ، فى حالة الإنفراد أم فى حالة الإجتماع .

 ثم تأتي الآية " ولو كانوا يؤمنون بالله وبالنبى وما أنزل إليهم ما اتخذوهم أولياء " فعرفنا أن حكم الكفر متعلق بالولاية دون غيرها واستحقاق اللعن للجميع .

 إذاً هذه عملية تنقيح مناط لأن عندك مزاحمة فى أوصافه ولا تعرف هل  الحكم مختص بأربعة أوصاف أم ماذا.

 لكن هنا الحكم مختص بوصف واحد لأن خطابه للرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه "لايحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى النيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم " ، "سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين . وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتلون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين".

 فهنا فى الآية أوصاف كثيرة : سماعون للكذب ، أكالون للسحت ، لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ، سماعون لقومٍ آخرين لم يأتوك، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا، آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ؛ أشياء كثيرة . فالمتعلق بالحكم هنا غير معروف ، هناك محل وهم اليهود وهناك أوصاف ، هناك خصوصية محل قد تكون قائمة لا نستطيع أن ننفيها وهناك مزاحمة أوصاف قد تكون هى مختصة بالحكم دون غيرها فى حالة الإجتماع أو الإنفراد ثم تنزاح مزاحمة الأوصاف وتبقى خصوصية المحل " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين " ، فنفى عنهم الإيمان لإعراضهم عن حكم التوراة لما لم يؤمنوا بمحمد لأنهم طلبوا حكمه وكذبوا خبره ولم يؤمنوا بموسى لأنهم صدقوا خبره وأعرضوا عن حكمه، فلم يجتمع لنبى واحد منهما تصديق الخبر مع قبول الحكم.

 إذاً هؤلاء نفى عنهم الإيمان من أجل هذا لكن قد يكون هذا مختصاً باليهود دون غيرهم إلى أن تأتى الآية : " ومن لم يحكم " فلم يحدد لا اليهود ولا النصارى ولا أى شيء بعد ما قال " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون " وهذا خطاب عام لنا ولهم " فلا تخشوا الناس واخشون " جمع، أي أعرض عن قصة اليهود وجاء بتوصية عامة لكل المؤمنين " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون "..

"من لم يحكم " كما قال  " ولو كانوا يؤمنوا بالله والنبى ما اتخذوهم أولياء"  ،  لكن قد يقال أن هذه فى حق اليهود وليست فى حقنا إلي أن نجد " لايتخذ المؤمنون الكافرين " - أى مؤمنين وأى كافرين – " أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة " . ففي الآيتين " لايتخذ " ، "ومن لم يحكم" خصوصية المحل ومزاحمة الخصلة .

المرتبة الثانية : تحقيق المناط : فهناك دلالة شرعية ودلالة عرفية و دلالة لغوية.

 الخوارج أخذوا بالدلالة اللغوية هم والمرجئة.

 فقالوا الحكم هو خُيِّرَ فاختار أي حُكِّمَ فحكم فيكون معناها كل من خُيِّرَ فاختار قد حُكِّمَ فحكم .

 إذاً يكون أي فرد اختار المعصية قد حُكِّمَ فحكم بغير ما أنزل الله ، ولذلك سّمى أصحاب الأخدود المحكمين لأنهم خيروا فاختاروا فكأنهم حكموا فحكموا . فكل من خالف أى مخافة شرعية بمعصية يرتكبها أو بضلالة يعتقدها يكون قد حكم بغير ما أنزل الله و يكون قد كفر.

 المرجئة قالوا على النقيض أنه معلوم من الدين بالضرورة أن مثل هذا لايكفر فيكون الحكم مؤولاً فى كل حال .

 فهؤلاء أطلقوا الحكم فيما يكفر به الإنسان ما لايكفر وأبقوه على ظاهره ، وهو على ظاهره صحيح لكن وسعوا مناطه فيما لا يتسع له ، وهؤلاء وسعوا مناطه فيما لا يتسع له وقيدوه فى كل مصارفه والآخرين أخذوه على ظاهره فى كل مصارفه.

  طبعا الإثنين خطأ لأنه من المفروض تنزيل الحكم كما قال الشرع وبالضبط لا نقيده وننزله على مناطه الذي حدده الشرع بالضبط ، وإذا كان فى مناط أخرى لم يحدده الشرع له نصيب منه نقول هذا له نصيب أو حظ لكن لا يتنزل الحكم على غير مناطه ونوسعه لما لا يتسع لأن هذا فعل الرسول صلي الله عليه و سلم وسنته عندما قالوا له " أينا لم يلبس ؟ " ، لم يقل لهم أن الكل داخل بل قال لهم : لا  ( ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح " إن الشرك لظلم عظيم " )  فنزل هنا النفى علي الأمن والهداية بإطلاق ولم ينزل على مطلق الظلم ؛ أنزله على ظلم محدد هو ظلم الشرك، أما ما دون ذلك من الظلم يكون له حظ ونصيب من نفى الأمن والهداية بإطلاق فلا يرتفع عنه الأمن لكن يرتفع بقدر ما وقع فيه من الظلم لكن الحكم المطلق الذي هو نفى الأمن والهداية بإطلاق لأنه جاء بإطلاق وهكذا يخرج عن الملة فلا يتنزل إلا على مناط محدد وهو الذى جاء به الشارع له . إذاً هنا لا نأخذ بالدلالة اللغوية ولا بالدلالة العرفية ولكن نأخذ بالإصطلاحية وهي الحكم أو خطاب الشارع للمكلفين بالإقتداء والتخيير ، فيكون " من لم يحكم " أي من لم يشرع للناس ما شرعه الله لهم ليقضى به فى موضع النزاع فيحل حلاله ويحرم حرامه " فأولئك هم الكافرون " بالضبط هكذا معناه ؛ من لم يشرع للناس ما شرعه الله لهم ليقضى بينهم فى موضع النزاع فيحل حلاله ويحرم حرامه. لذلك كان ضمن الإصطلاح الإسلامى أن يقول لك: أنا أتعبد إلى الله أي أحل حلاله وأحرم حرامه فما جعله الله حلالاً أحله بين الناس وما جعله الله حراماً أحرمه بين الناس ، ولذلك يقولون هل حاكمية الله أن ينزل ربنا ليحكم ؟ لا، نحن نحل ما أحل ونحرم ما حرم وهذا هو حكم الله أن تحكم بحكم  ( لقد حكمت بحكم الله فيه من فوق سبع سماوات ). هذا هو معنى أن تحل حلاله وتحرم حرامه فأنت لا تشرع للناس ولكن تشرع للناس ما شرعه الله لهم.