تاريخ الدولة و الدعوة (5) ..

بقلم محمود أبوعجيلة | 11 يونيو, 2015

كيف نفَّذت أمريكا مخططها ؟

لقد نفذت أمريكا مخططها هذا على ثلاث مراحل : 1. إرضاء القوميات ، 2 . سياسة الأمر الواقع ، 3 . سياسة التعايش الذليل .

أولاً : مرحلة إرضاء القوميات : وفيها يصنع أبطال على نسق عبد الناصر ليكونوا مُثُلاً عُليا للشعوب ، و يقوموا بعمل خطط تنمية ، و يدخلوا فى معارك ساخنة وباردة ويفتعلوها معهم ويتحقق الجلاء فعلاً للشعوب فلا تجرح كبريائهم ، ثم يسقط هؤلاء الأبطال وتسقط خطط التنمية و ينهزموا عسكريا ويتخلفوا اقتصاديا وتدخل البلاد فى صعوبات وأزمات وتتراكم الديون فيؤدي هذا إلى سياسة الأمر الواقع والتى يمثلها السادات . الخلاصة أن الأمة عاشت فى فترة مراهقة فكرية كاذبة وأحلام وردية زاهية و حدث نوع من الانتعاشة لها وليس انتعاش كاذب فأشبعت رغباتها المكبوتة وشعرت بالراحة لتحقيق ذات لها ولكنها ذات غير حقيقية ..

ثانيا : سياسة الأمر الواقع : فى هذه المرحلة يتم الانحسار عن المراهقة الفكرية ، و يتم التراجع عن البطولات ، وتستيقظ الشعوب من الأحلام الوردية الزاهية ، و تدرك الشعوب إنها لن تستطيع الاعتماد على نفسها ، وأن قواتها لا تمكنها من أن يبقي لها حجم دولى كبير فتقتنع من خلال الهزائم والنكسات بحجم معقول أو قوة معقولة على نطاق دولى يتناسب مع حجمها وفى نفس الوقت تظل السيادة و الاستقلال كما هى ولا يتم التخلي عنها فى هذه المرحلة لأن الشعوب غير مهيئة لقبول مثل هذا و تتوالي الأزمات و النكبات و الديون فتدخل فى مرحلة جديدة و هى مرحلة التعايش الذليل ..

ثالثا : مرحلة التعايش الذليل : وهذه يمثلها محمد حسنى مبارك ، وقد دخلنا فيها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج وبعد أن أصبح العالم أحادى القطب وأصبح موجوداً ما يسمى بالخط الدولى أى سياسة أمريكا – أوروبا ، وفى مرحلة التعايش هذه يتم التراجع عن أمور السيادة و الاستقلال وتأخذ اهتمام ثاني وثالث ، و يبقي الاهتمام الأول للمعيشة أى يصبح رئيس الدولة مهمته أن يبحث لبلده عن مكان بالقرب من الأقطاب أو السياسة الدولية أو من الغرب بصفة عامة حتى يظل اقتصاد بلده واقفا على قدميه ويستطيع أن يسدد الديون أو يؤجلها أو يجدد لها و يبدأ فى البحث عن فرص عمل للشباب لمواجهة البطالة ويبدأ يهتم بالبنية الأساسية من اتصالات و مواصلات أى يبقي الاهتمام الأول البحث عن سبل الإعاشة و يفكر كيف يواجه مشاكل الفقر و التخلف والتردي الاقتصادي وحالة الكساد وفارق الهوة الضخم بينه و بين الدول المتقدمة صناعياً ، و يبحث عن فُتات الفتات الذى يرموه لنا كمعونات أو مساعدات وتتراكم الصعوبات بحيث تبدأ الشعوب تقتنع أنه لا مكان لها إلا بالتعايش مع القوى الغربية القادرة القوية المتحضرة وأنه لا مكان لها فى هذا العالم إلا من خلال الصلات الحضارية فتقبل التبعية وبدلاً مما كنا نسميه استعمار أصبحنا نسميه اتصال حضاري وأصبح ما كان مرفوضاً مرغوباً ، وأصبح الاستعمار الذى يفرض نفسه عليك وأنت تطرده .. أصبحت أنت تطلبه بل يمكن أن يتأبى عليك ، أصبح هو المطلوب بدلا من أن يكون مرفوضاً فلا يمكن أن تقاومه بحركات جهاد أو ضرب أو مقاومة شعبية أو حركات قتال أو عصيان مدنى بل سترحب به كصلة حضارية عن طريق السياحة و المؤتمرات وعلى أساس أنه هو الذى سيفسح لك مكان من خلال التكنولوجيا ومن خلال التقدم العلمي والصناعي والتجاري و بما يعطيه لك من معونات ، فنجد أن حل مشكلاتنا مرتبط بهذه الصلة الحضارية وبهذه القوى الغالبة فلا تجد الشعوب إلا أن ترضخ و تقبل وتتعايش مع هذا الاستعمار الجديد الذى يسمونه التعايش أو مرحلة التعايش وهذه الفكرة هى التى اقترحها " آرنولد توينى " هو الذى قال : إننا حققنا التعايش مع الشيوعية بعد أربعين سنة لكننا لم نقدر أن نحقق التعايش مع الإسلام إلا بعد ثلاثة عشر قرنا من الزمان ..

التعايش ليس معناه الانتصار ، و لكن لا يظهرون معناه الحقيقي حتى لا يجرحوا كبرياء الشعوب ، فيقولون التعايش ، أى شئ كنت ترفضه فبدأت تتعايش معه وتقبله . لقد بدأت تتأكد وتترسخ مرحلة التعايش إلى مرحلة التعايش الحقيقي بعد حرب الخليج بعد ما تم ضرب العراق فأصبحت الشعوب العربية فعلاً فى حالة تعايش وبدأ بعدها الصلح الفلسطيني الإسرائيلي فى مدريد و أوسلو وغزة وأريحا والسوق الشرق أوسطية و العلاقات التجارية المفتوحة مع إسرائيل وبدأ توصيل الكهرباء بين الدول العربية ثم توصيلها بتركيا ثم الربط بأوروبا على أساس تواصل عالمي كامل شرق أوسطي مع سوق أوربية مشتركة ويتم فى النهاية التواصل العالمي الكامل فلا يبقي عداء بين العرب وإسرائيل وانتهت القضية ودخلت المنطقة فى تعايش كامل وهذه هى المرحلة التى نعيشها الآن ..

للعلاَّمة الأستاذ عبد المجيد الشاذلي - رحمه الله - :