الموضوع الأول : الإيمان و الإسلام ..حقيقتهما و العلاقة بينهما

10 يونيو, 2015
المرفقالحجم
Audio icon الشريط الأول دين الرسل23.06 ميغابايت
PDF icon الشريط الأول دين الرسل405.2 كيلوبايت
المرفقالحجم
Audio icon الشريط الأول دين الرسل23.06 ميغابايت
PDF icon الشريط الأول دين الرسل405.2 كيلوبايت

بسم الله الرحمن الرحيم

موضوعات العقيدة

الموضوع الأول : الإيمان و الإسلام ..حقيقتهما و العلاقة بينهما :  

تمهيد

    إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا أما بعد :

من البداية نجد فى القرآن الكريم أن دين الأنبياء واحد ، ونجد فيه أ نواع من الاختلاف ويبدو أن فيه نوع من الإتفاق ، فلابد من التوفيق بين الإتفاق  وبين الإختلاف .

الاتفاق بين دين الأنبياء فى قوله الله سبحانه و تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء و يهدى إليه من يريد" . فهذه الآية تنص لا نقول تشهد بل تنص على أن دين الأنبياء واحد " أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه " ،  وهناك آيات أخرى كثيرة تؤكد نفس المعنى مثل :  "وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " ،  " لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا ".

    فإذاً هناك اتفاق وهناك اختلاف .الذى يجمع بين الإتفاق وبين الإختلاف هو  حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات ديننا واحد " . الحديث له روايات شتى منها " أمهاتنا شتى و ديننا واحد" أو "الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" فهناك روايات كثيرة لكن المعنى كله يدور حول هذا المعنى وحول هذه الصيغة " نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات ديننا واحد " ، والأخوة العلات هم الأخوة المتفقون فى الأب المختلفون فى الأم . فإذاً الإتفاق هو فى الأب والإختلاف فى الأمهات ؛ الأمهات واضحة عندنا وهى " لكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً " و الإختلاف فى الشرائع .

حقيقة الإسلام و حقيقة الإيمان :

     الدين ، دين الرسل كله عبارة عن جزئين توحيد وشرائع . هذا الاتفاق فى التوحيد هو الاستنتاج السريع الذى يجمع بين الاتفاق والاختلاف وكيف يكون دين الأنبياء واحد . هذا القدر المتفق عليه بين دين الأنبياء نجد له اسماً وله حقيقة ؛ فاسمه نجده أيضا فى القرآن الكريم فى قول الله سبحانه و تعالى :

1 . ( إذ قال له ربه أسلم ، قال أسلمت لرب العالمين ) هذا فى إبراهيم .       

2 . ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.....) هذا يعقوب وابناؤه .

3 .  فى حق يوسف ( رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السماوات أنت وليِّى فى الدنيا والأخرة توفنى مسلماً وألحقنى بالصالحين) .

4 . فى حق موسى : ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ).

5 . فى حق عيسى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى ، قالوا آمنا واشهد بأننا  مسلمون ) .

فإذاً هذا موسى وعيسى ويعقوب والأسباط ويوسف.

6 . قالت بلقيس لسليمان " وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " .

7 . سيدنا إبراهيم "  قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين " . وبالنسبة لسيدنا إبراهيم أيضاً " ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين "

، و كذلك  دين الأنبياء كلهم من لدن آدم حتى محمد صلى الله عليه وسلم .

8 .  فى حق محمد عليه الصلاة والسلام وفى حق أمتنا هذه " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لانفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون " .

       فهذا القدر المشترك بين الأنبياء اسمه الإسلام ، حقيقته فى قول الله سبحانه و تعالى    " وماأرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" . فإذاً حقيقة هذا القدر المشترك هى توحيد العبادة واسمه هو الإسلام . إذاً القدر المختلف فيه هو الشرائع ، والقدر المتفق فيه  اسمه الإسلام وحقيقته التوحيد وهذا هو دين الأنبياء . إذاً فهذه حقيقة الإسلام . 

   عندما نعرِّف حقيقة الإيمان ماهى ؟ ؛ هل هى قول فقط ؟ هل هى معرفة فقط؟ هل هى قول ومعرفة؟ هل هى قدر زائد على هذا؟ .

1 . فربنا سبحانه وتعالى يقول : " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " فأثبت لهم القول ونفى عنهم الايمان ، فالايمان ليس قول .

2 . وفى حق قوم آخرين يقول " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون " ، فأثبت لهم المعرفة ونفى عنهم الايمان فالايمان ليس معرفة.  

3 . وفى حق قوم آخرين : أثبت لهم الإيمان لغةً لا شرعاً وذلك فى قول الله سبحانه و تعالى فى سورة الأنعام " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ".  فالصحابة قالوا لرسول الله صلي الله عليه و سلم : وأينا لم يلبس إيمانه بظلم ، فقال صلي الله عليه و سلم ( ليس بذلك ، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح " إن الشرك لظلم عظيم " ) . وفى رواية أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الظلم بالشرك فقال صلي الله عليه و سلم (بظلم: بشرك). فإذاً الذى أتى بالقول وبالمعرفة يسمى مؤمناً إيماناً شرعياً مقيداً أوإيماناً لغوياً ، لكنه لا يسمى مؤمناً تسميةً شرعيةً مطلقة لأنه قد يجتمع مع هذا الإيمان الشرك فلا يدخل به فى الملَة " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، فحتي  يدخل فى الملة لابد أن يؤمن أي يأتى بالقول وبالمعرفة ولا يُلبِس إيمانه بظلم الشرك فيترك الشرك فى العبادة . ولماذا قلنا الشرك فى العبادة و لم نقل الشرك فى الإعتقاد ؟ لأن هذا واضح من تفسير ابن عباس للآية الاخرى فى قول الله سبحانه وتعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون "   فقال : إيمانهم إقرارهم ؛ جعل الإيمان هو الإقرار بتوحيد الربوبية..إيمانهم إقرارهم ، وشركهم أنهم يعبدون مع الله غيره .  فإذاً الشرك المطلوب تركه لكى يصح به الايمان ويُقبَل شرعاً هو الشرك فى العبادة .

    فالذى أتى بالقول لايسمى إيماناً لا لغةً ولا شرعاً ، والذى أتى بالمعرفة لايسمى هذا إيماناً لا لغةً ولا شرعاً ، فإذا أتى بالقول والمعرفة يسمى إيماناً لغةً لاشرعاً أو تسميةً شرعيةً مقيدة لاتُدخِله الملة ؛ فبات يُسمَّى هذا الإيمان شرعى أى تسمية شرعية يدخل بها الملة إذا انتفى الشرك مع هذا الإقرارباللسان والتصديق بالقلب و هو شرك العبادة .   فإذا آمن ولم يلبس إيمانه بظلم الشرك يكون له الأمن والهداية بإطلاق ، أما إذا آمن أى أقر بلسانه وصدق بقلبه وألبس مع إيمانه ظلم الشرك فقد انتفى عنه الأمن والهداية بإطلاق فلابد من انتفاء "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"..إيمانهم إقرارهم وشركهم أنهم يعبدون مع الله غيره .

الإفتراق والإقتران بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام :

   ترك الشرك فى العبادة هو نفسه حقيقة الاسلام كما فى قول الله سبحانه وتعالى " وما أرسلنامن قبلك من رسولٍ إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" ، وقول الأنبياء كلهم       " اعبدوا الله مالكم من إلهٍ غيره " . فترك الشرك فى العبادة وإفراد الله بها هو حقيقة الإسلام . فإذاً حقيقة الإيمان لاتُقبَل إلا إذا اقترن معها حقيقة الإسلام و هذا فى قول الله سبحانه وتعالى  " الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين " ، " إن تُسمِعُ إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " يعنى صدقوا وانقادوا ؛ أتوا  بتوحيد الربوبية مع توحيد الألوهية .

     وهذا أيضاً فى قول الله سبحانه وتعالى  " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم " - هذا الجزء الأول جزء الإيمان الذي هو الإقرار باللسان والتصديق بالقلب – " ونحن له مسلمون " . نجد هنا القاعدة التى تقول  : ( إذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا) :

1 . فإذا اجتمع لفظ الإيمان مع لفظ الإسلام افترقا فى المعنى أي كل له دلالته ، فدلالة لفظ الإيمان مقتصرة هنا على تصديق القلب وإقرار اللسان الذي هو الربوبية (اللغوى أو الشرعى المقيد) ، ودلالة لفظ الإسلام  الذي هو ترك الشرك فى العبادة  "" ونحن له مسلمون " أى مخلصون منقادون لا نشرك به غيره ونخلص له التوحيد ونجرد له التوحيد أي لا نصرف حق الله إلى غيره . هذا هو معنى الإسلام المرتبط بمعنى الإخلاص وبمعنى الإستسلام ؛ فلا يكون العبد مسلماً بمجرد المعرفة القلبية حتى يخلص لله العبادة . نجد ذلك في السورتين  سورتى الإخلاص الذي هو : الإخلاص فى الإعتقاد  " قل هو الله احد ..."  ، والإخلاص فى العبادة  " قل يا ايها الكافرون..."  و اللتان كان بيصلى بهما الرسول – صلى الله عليه وسلم – فى ركعتى الطواف وركعتى الفجر وركعتى المغرب أي في السنن .. سنتى الفجر و المغرب وركعتى الطواف . فكان يصلى بسورتى الإخلاص لأن معنى الإخلاص أصلاً هو الإخلاص فى العبادة . إذاً فهذا معنى الإسلام ؛ أي أن الإسلام مشتق لغةً من الإخلاص ومن الإستسلام وعندما يجتمع الإخلاص مع الإستسلام يكون معناه الإستسلام لله وحده ؛ فيستسلم لله ولايستسلم لغيره.  فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك ومن رفض الإستسلام لله فهو مستكبر وكلاهما كافر . فإذاً لابد أن يكون الإستسلام لله وحده ؛ فالإستسلام لله وحده معناه توحيد العباده الذي هى صرف معنى العبادة  " حق الله الخالص " . فتوحيد العبادة وافراد الله بالعبادة  أي افراده بحقه الخالص " ونحن له مسلمون " .

2 . و إذا افترق لفظ الإيمان عن لفظ الإسلام ؛ أي إذا ذكر لفظ الإيمان منفرداً فيدخل تحت لفظ الإيمان معنى الإيمان ومعنى الإسلام ، أما إذا ذكر لفظ الإيمان مع لفظ الإسلام فينفرد كل بمعناه ولا يدخل تحته معنى اللفظ الآخر فيبقي لكل لفظ معناه ولا يدخل تحت اللفظ المذكور معنى اللفظ الآخر الغائب و لكن إذا غاب أحد اللفظين وذكر أحدهما منفرداً يدخل تحت اللفظ المذكور معنى اللفظ الغائب .هذا هو معنى (إذا اجتمعا افترقا) فلكلٍ معناه ، و (إذا افترقا) يعنى ذكر أحدهما دون الآخر(اجتمعا) أي اجتمع المعنيين تحت اللفظ المذكور وهذا واضح  فى قول الله سبحاته وتعالى فى سورة البقرة وفى سورة آل عمران : " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ماآمنتم به فقد اهتدوا " . فهنا ذكر الإيمان منفرداً فيكون للإيمان هنا معناه المطلق الذي يدخل تحته التصديق والإقراروالإنقياد والإخلاص فى العباده الذي هو توحيد العباده و الذي يدخل تحته أيضاً " الذين آمنوا " - أي صدقوا وأقروا - "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" – أي تركوا الشرك فى العباده فحققوا الإسلام مع الإيمان . إذاً  " الذين آمنوا ولم يلبسوا " هم الذين أتوا بالإيمان والإسلام و الذين قالوا :  " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم " – هذا شِق و هو الموجود فى سورة الأنعام " الذين آمنوا.." ، والشق الثانى  " ونحن له مسلمون " وهو الموجود فى سورة الأنعام "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" ، "نحن له مسلمون" يعنى لم يلبسوا إيمانهم بظلم ، " الذين آمنوا " هي كما في  " قولوا آمنا " ؛ " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " .

   إذا ًعندما يُذكَر اللفظين يكون كل واحد  له قسيم ؛ أحدهما توحيد الربوبية أو الإيمان بمعناه اللغوى أو الشرعى المقيد الذي هو تصديق الخبر بالقلب واللسان معاً ، والآخر هو الإسلام الذي هو الإنقياد والإخلاص والإستسلام وإفراد الله بالعباده سبحانه وتعالى .  فإذا ذُكِرَ لفظ واحد فيهم فلابد أن يدخل تحته معنى اللفظ الغائب فيجتمع المعنيان تحت اللفظ المذكور " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله...." . الآية الأخرى : " قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " هذان هما الشقان .

حقيقة الإسلام :

    قد يذكر لفظ الإسلام منفرداً " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين " فيد خل تحته معنى الإيمان ؛ فيكون معنى الإسلام هنا كمعنى الإيمان فى سورة البقرة فى قول الله سبحانه وتعالى : " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا " إذاً فحقيقة الإيمان المطلقة تتساوى مع حقيقة الإسلام المطلقة . لكن الحقيقة المقيدة تبقى  قسيم الحقيقة المطلقة ويبقى القسيم الخاص بالإيمان هو إقرار اللسان وتصديق القلب والقسيم الخاص بالإسلام هو توحيد العباده . إذاً نستطيع أن نقول هنا أن حقيقة الإسلام و حقيقة الإيمان واحدة وهى توحيد الربوبية المتضمن والمستلزم لتوحيد الألوهية أو توحيد الألوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبيه . و الصحيح  أن يقال توحيد الالوهية أو توحيد العباده المتضمن والمستلزم لتوحيد الإعتقاد لأن الرسل خاطبوا البشر بالعبادة " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون "، أما المعرفة والاعتقاد فهى تابعة للعبادة ؛ فلكي تعبد الله سبحانه وتعالى لابد من أن تقر به وتعرفه وتصدقه. فالتصديق والإقرار لازم للعبادة لكن العبادة هى المطلوبة أصلاً ؛ فالعبادة مطلوبة كالصلاة لكن لاتصح الصلاة بغير وضوء فالوضوء مطلوب للصلاة ، لكن الصلاة هى المطلوبة أصلاً .

 فالعبادة هى المطلوبة والاعتقاد والإقرار والمعرفة والتصديق مطلوب من أجل العبادة و هذا فى قول الله سبحانه و تعالى " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " – لم يقل لهم ألا نعتقد أو نعرف – " ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا " _ أي عن هذه الحقيقة..لم يحققوها – " فقولوا اشهدوا بانا مسلمون "  أى أننا مسلمون دونكم لأنكم كفرتم بما نطقت به الكتب وتتابعت عليه الرسل . "  تولوا " كل العلماء يفسروها :" أى عن التوحيد  ؛الذى لم يحقق التوحيد يكون قد تولى عن توحيد العبادة فليس مسلماً . وقوله تعالى " كلمة سواء " أي لا نختلف فيها نحن ولا أنتم..التوراة والقرآن والإنجيل واحداً . " بيننا وبينكم " ماهى هذه الكلمة؟ تفسيرها ما بعدها وهو " ألانعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً اربابا " ، لم يقل لهم تعالوا نحج ونصوم ونصلي وكذا ، هذه فروع مترتبة على الأصل لكن قالوا فقط الأصل " ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا " أى عن هذا..هذا المذكور " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " أى مسلمون دونكم لأنكم لم تحققوا هذا ونحن حققناه وأنكم كفرتم بما نطقت به الكتب وتتابعت عليه الرسل الذي هو الحد الذى لا يكون المسلم مسلماً إلا به وهو ( تحقيق توحيد العبادة ) .

     الآية لم تذكر توحيد الاعتقاد لأنه متضمن أي ثابت بالتضمن ، لأن كل أمر كما نعرف له  ثلاثة دلالات : دلالة مطابقة ودلالة لزوم و دلالة تضمن . فتوحيد الإعتقاد يعتبر لازم لتوحيد العبادة ، فكونه غير مذكور لكن هو مراد لأنه كما قال البخارى (العلم سابق على القول والعمل) " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " ، فلا بد أن يعلم أن لا إله إلا الله قبل أن يعمل فالعلم سابق على القول والعمل فكونه غير مذكور لأن العمل يحتاجه بالضرورة . فعندما ذكرنا العمل فهذا يستلزم العلم ويكون الإثنين مستلزمين أي " قل يا أيها الكافرون " تستلزم    " قل هو الله أحد " ، و" قل هو الله أحد " تستلزم " قل يا أيها الكافرون " أي توحيد العبادة المتضمن والمستلزم لتوحيد الاعتقاد أو توحيد الربوبية المتضمن والمستلزم لتوحيد الألوهية  أو توحيد الالوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية أو الإيمان المتضمن والمستلزم للإسلام أو الإسلام المتضمن والمستلزم للإيمان ، ولا يكون المسلم مسلماً إلا بمجموع الأمرين ، هذه هى حقيقة الإسلام .

    عندما نريد أن نعرف حقيقة الاسلام نري أولاً ما هو الإسلام و أين ذُكِرَ الإسلام في القرآن . سيدنا يعقوب ، سيدنا نوح ، اسماعيل ، كل الأنبياء قالوا أن دينهم الإسلام ، إذاً ما دين كل الأنبياء " وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون "؛ إذاً فالإسلام هو توحيد العبادة . هذه هي حقيقة الإسلام أبسط ما يكون أن تعرِّفها .

حقيقة الإيمان :

    أما حقيقة الإيمان فتحتاج  للجهد كي تعرِّفها وهذا عن طريق ثلاث آيات هي :

1 . " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين " .                          2 . " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم ، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون".

3 . " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " .

    إذاً لابد لكى يكون المؤمن مؤمناً أن يجتمع له  الإقرار والإعتقاد ويخلو  من شرك العبادة أى ينتفى عنه الشرك فى العباده وانتفاء شرك العبادة معناه الإسلام . فلا يكون المؤمن مؤمناً إلا إذا كان مسلماً منقاداً؛ إذا حقق حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام فيكون هو المؤمن بالمعنى الكامل. هذه حقيقة الإيمان وهذه حقيقة الإسلام.

تنوع الدلالات بتنوع الإستعمالات :

    نحتاج هنا لبحث آخر وهو تنوع الدلالات بتنوع الإستعمالات نتيجة أن بعض الناس يحدث عندهم التباسات في قواعد لغوية فرعية فى اللغة العربية وفى استعمالات القرآن الكريم  فتلتبس على الناس الإستعمالات فيخلطوا بينها وبين دلالاتها . فلابد من معرفة كل دلالة وعلاقتها باستعمالها . فلفظ الايمان يعرَف بحقيقته ويعرف بمتعلقاته ويعرف بهما معا، وكذلك لفظ الاسلام يعرف بحقيقته ويعرف بمتعلقاته ويعرف بهما معا :

  • فلفظ الإيمان يُعرَّف :

1 . بحقيقته: فحقيقة لفظ الإيمان كما في قول الله سبحانه وتعالى : " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا " هى توحيد الإعتقاد المتضمن والمستلزم لتوحيد العبادة أو توحيد الربوبية المتضمن والمستلزم لتوحيد الالوهية .

2 . بمتعلقاته: أي حقوق هذه الحقيقة وهى فعل الطاعات وترك المعاصى وفعل السنن وترك البدع. هذه حقوق التوحيد كماقال ابن القيم : (القرآن كله توحيد إما صلبه أو كمالاته أو حقوقه. فحقوقه هى الطاعات وترك المعاصى ، والسنن وترك البدع  ) . فإذاً حقوق الإيمان أو متعلقات الإيمان أيضا هى فعل الطاعات وترك المعاصى وإتيان السنن وترك البدع ؛ فنجد هنا أن تفسير الإيمان قد يُعرَّف بأحد متعلقاته : ( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم) وهذه ليست حقيقته بل متعلقات الحقيقة .

3 . وقد يُعرَّف بهما معاً: كما فى قول الله سبحانه وتعالى : "  حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان " . فالإيمان منه إيمان يقابل الكفر وإيمان يقابل الفسوق وإيمان يقابل المعصية؛  فالإيمان المقابل الكفر هو التوحيد ، والإيمان المقابل للفسوق  هو فعل الطاعات كل الطاعات وترك المعاصى كل المعاصى أو فعل الواجب كل الواجب وترك المحرم كل المحرم  ، والإيمان المقابل للعصيان هو فعل المندوب كل المندوب وترك المكروه كل المكروه . فإذا أتي الإنسان بالتوحيد ؛ توحيد العبادة وتوحيد الإعتقاد ثم أتى كل الطاعات  وترك كل المعاصى ، وأتى كل المندوبات وترك كل المكروهات يكون قد حقق الإيمان الكامل بدرجاته الثلاث وهو الذى فى قول الله سبحانه وتعالى : " حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان". هؤلاء الثلاثة يقضوا لفظ الإيمان ، إتيان مقابله ترك " وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ". هذا معني الإيمان، والإيمان هنا يعرَّف بحقيقته ومتعلقاته معاً.

  • وكذلك لفظ الإسلام يُعرَّف :

1 . بحقيقته : كما فى قول الله سبحانه وتعالى " إن الدين عند الله الإسلام " ، وكما فى قول الله سبحانه وتعالى "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين" . 

2 . بأحد متعلقاته : كما في (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) .

3 .  وقد يُعرَّف بهما معاً : كمافى قول الله سبحانه وتعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا " ،  فالإسلام هنا شامل للحقيقة وكل متعلقاتها التي هى جملة التكاليف الشرعية التى أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم للمسلمين شاملاً التوحيد ،الإيمان المجمل والإيمان الواجب والإيمان الكامل أو المستحب . أو شاملا الإسلام والإيمان والإحسان شاملةً لدرجات الدين الثلاثة ؛ لمراتب التكاليف الثلاثة ، شاملةً للتوحيد والشرائع . إذاً هذا هو كل الإسلام ، هذه هى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .

    إذاً هنا الإسلام يُعرَّف بحقيقته فقط أو بأحد متعلقاته أو بجملة من متعلقاته ، ويُعرَّف بحقيقته وأحد متعلقاته ، أو بحقيقته وجملة من متعلقاته ،أو بحقيقته وكل متعلقاته . أي قد يعرف بحقيقته فقط ، وقد يعرف بحقيقته وأحد متعلقاته ،  أو بحقيقته وجملة من متعلقاته ، أو بحقيقته وكل متعلقاته . وقد يعرف بأحد متعلقاته فقط دون حقيقته كما فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) .  وقد يعرف بقسيم الحقيقة التي لا يدخل بها الملة مثل " ونحن له مسلمون" فيكون هذا هو قسيم الحقيقة وهوالإسلام المقيد الذي هو أحد الأمرين اللذان إذا اجتمعا دخل بهما الجنة .

     فقد يعرف لفظ الإسلام فيستعمل بتعريف قسيم الحقيقة أو الحقيقة كلها (قاسمها أو كلها) وقد يعرف بأحد المتعلقات منفردة أو بجملة من المتعلقات دون الحقيقة أو بالحقبقة مع أحد المتعلقات أو بالحقيقة مع جملة من المتعلقات أو بالحقيقة مع كل المتعلقات، وكل هذا تنوع استعمالات تتنوع بها الدلالات ؛ كل استعمال من هؤلاء له دلالة تختلف عن الإستعمال الآخر.

 كما قلت لكم القسيم كما في "ونحن له مسلمون" . الحقيقة كلها " إن الدين عند الله الإسلام "، "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" . أحد أفراد المتعلقات فقط لا غير (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) . جملة من المتعلقات كما فى تعريف رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام عندما سئل عن الإسلام ما هو فقال : (إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام) ؛ هذه جملة من المتعلقات دون الحقيقة . تعريف الإسلام فى حديث جبريل  الحقيقة وجملة من المتعلقات . إذاً إما يذكر نصف الحقيقة أو الحقيقة كلها أو لا يذكر معها أي  من المتعلقات أويذكر أحد المتعلقات منفرد أو جملة من المتعلقات منفردة دون الحقيقة وقد يذكر الحقيقة ومعها جملة من المتعلقات كما فى حديث جبريل لما سُئِلَ عن الإسلام صلي الله عليه و سلم فقال :( أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ) هذه هي الحقيقة ، ثم أتى بمتعلقات أربعة معها (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت الحرام) . إذاً هذه أربعة أركان مع الركن الأول ؛ الركن الأول هو حقيقة الإسلام وجاء بأربع صيغ : ألا تشرك بالله شيئا ، أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، أن يوحد الله ، وفى صيغ أخرى (أن تشهد أن لا إلاه إلاالله وأن محمدا رسول الله) أو أن تشهد أن لا إلاه إلا الله والشهادة الأخرى مستلزمة أي أن  الصيغة هذه لاتنص عليها ولكن هى ثابتة باللزوم. إذاً حديث جبريل هنا برواياته المختلفة يأتى بالحقيقة وجملة من المتعلقات . وكما فى حديث وفد عبد القيس الإيمان أيضاً أتى بالحقيقة وعرف الإيمان بما عرف به الإسلام فى حديث جبريل فقال له صلي الله عليه و سلم : ( أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا،و إقام الصلاة ،و إيتاء الزكاة،و صوم رمضان ، والخمس من المغنم وترك النقير والمداهنة )  وكذا وكذا . فعرف الإيمان بهذا الحديث بما عرف به الإسلام فى حديث جبريل فأتى هنا بالحقيقة وجملة من المتعلقات . وقد يأتى بالحقيقة وكل المتعلقات كما فى قول الله سبحانه وتعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا" .

   أيضاً فى الإيمان قد يأتى بنصف الحقيقة أى " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " فالذين آمنوا وألبسوا إيمانهم بظلم و لم يدخلوا بهذا الظلم الملة قد أتوا بنصف الحقيقة . الذي سيدخلهم الملة هو تصديق القلب و إقرار اللسان ؛ أو نصف الحقيقة والنصف الآخر يقع معها فيدخلهم الملة مثل " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم " هذه  نصف الحقيقة و النصف الآخر " ونحن له مسلمون ". وقد يأتى بالحقيقة كلها " فإن آمنوا بمثل ماآمنتم به فقد اهتدوا" . وقد يأتى بالحقيقة ومعها بعض المتعلقات كما فى حديث وفد عبد القيس الذى أشرنا إليه حاليا . وقد يأتى بأحد المتعلقات فقط مثل (المؤمن من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم) . وقد يأتى بجملة من المتعلقات فقط دون أن يذكر معها الحقيقة مثل الإيمان عندما سئل صلى الله عليه وسلم عنه فقال : (السماحة والصبر) . وقد يأتى بالحقيقة وكل المتعلقات كما فى قول الله سبحانه وتعالى : " حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون . فضلا من الله ونعمة ".

إذاً هذه ألفاظ الإيمان والإسلام عندما تُعرَّف تعريفات تتنوع دلالتها بتنوع استعمالاتها.

العلاقة بين لفظ الإيمان و لفظ الإسلام :

العلاقة الأولي : أن يكونا قسيمين علي ضربين :

    قلنا بأن الإسلام يُعرَّف بلفظ الإيمان ولفظ الإسلام ، إما بقسيم الحقيقة أو بالحقيقة كلها أو بأحد المتعلقات أو بجملة منها أو بالحقيقة وأحد متعلقاتها أو بالحقيقة وجملة من المتعلقات أو بالحقيقة وكل المتعلقات .

1 . عندما يعرف الإسلام بالحقيقة فقط ويعرف الإيمان بالحقيقة فقط  تتفق دلالتهم .

2 . عندما يعرف الإيمان بالحقيقة وكل المتعلقات ويعرف الإسلام بالحقيقة وكل المتعلقات تتفق دلالتهم .

فى هاتين الحالتين تتفق الدلالات ؛ دلالات اللفظين .

3 . عندما يعرف الاسلام بحقيقته  وكل متعلقاته ويعرف الايمان بحقيقته وكل متعلقاته تتفق أيضا دلالات اللفظين .

4 . إذا عرف الإسلام بنصف الحقيقة و عرف الايمان بنصف الحقيقة تختلف الدلالات ؛  تختلف لكن تتكامل ،  فيكون الايمان هو الجزء العلمى  من الحقيقة و هو تصديق الخبر والإقرار باللسان ، ويكون الاسلام هو  الجزء العملى من الحقيقة و هو توحيد العبادة .  فيكون هذا توحيد الإعتقاد ظاهراً و باطناً و هذا توحيد العبادة ظاهراً و باطناً . وقد تكون الحقيقة الإسلام هي الظاهر من قول وعمل أو ظاهر من توحيد العبادة  و توحيد الإعتقاد ، فيكون الإيمان هو الباطن من توحيد العبادة و توحيد الإعتقاد لأن الإيمان هو الباطن من القول والعمل والإسلام هوالظاهر من القول و العمل فى الحقيقة . وقد يكون الإيمان هو القول ظاهراً وباطناً والإسلام هو العمل ظاهراً وباطناً لأن الإيمان دائماً يميل إلى جانب الباطن مع القول والإسلام دائما يميل إلى جانب الظاهر مع العمل ، لكن لا يمكن أبداً أن يأتي الإيمان ساتر ؛ لا يأتي الإسلام باطن مع قول و يأتي الإيمان ظاهر مع عمل.

    هذا معني أن يكونا قسيمين على ضربين : إما أن يكون  أحدهما قول وعمل ظاهر فيكون هو الإسلام و الآخر قول وعمل باطن فيكون هو الإيمان ، أو يكون أحدهما  قول ظاهر وباطن فيكون هو الإيمان والآخر عمل ظاهر وباطن فيكون هو الإسلام . هذا معنى القسيمين . إذاً عندما يأتي كلٌ منهما نصف الحقيقة تختلف الدلالات لكنها تتكامل. لكن إذا فرضنا أن كل واحدٍ منهما جاء نصف الحقيقة مع نصف المتعلقات أو مع بعضهما وبالتالى جاء نصف الحقيقة مع نصف المتعلقات فيكون الإيمان قول وعمل ظاهر وباطن فى مراتب التكاليف الثلاثة ويكون الإسلام عمل ظاهر وباطن في مراتب التكاليف الثلاثة. أو يكون أيضاً الإسلام قول وعمل ظاهر فى مراتب التكاليف الثلاثة و يكون الإيمان قول وعمل باطن فى مراتب التكاليف الثلاثة. فعندما يكون الاسلام قسيم الايمان (قسيم فى الحقيقة أو قسيمه فى الحقيقة وكل المتعلقات) فيعنى ذلك أنه قسيمه فى مرتبة التكليف الأولى أو قسيمه فى مراتب التكاليف الثلاثة فيكون هذا القسيم على ضربين . أي عندما يكون الإسلام قسيم الإيمان فى مرتبة التكليف الأولى التي هى حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام أو قسيمه فى مراتب التكاليف الثلاثة فتكون القسامة هذه بينهما على ضربين:

1 . إما أن يكون الإيمان قول وعمل باطن فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة ويكون الإسلام قول وعمل ظاهر فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة وهذا ضرب .

2 . أو أن يكون الإسلام عمل ظاهر وباطن فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة ويكون الإيمان قول ظاهر وباطن فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة و هذا ضرب آخر.

هذا معنى قسيمين على ضربين . فأول علاقة بينهما أن يكونا قسيمين على ضربين ، فالقسيمين على ضربين يكونا إما قسيمين فى مرتبة التكليف الأولى لوحدها دون مراتب التكاليف الأخرى أي فى الحقيقة أو قسيمين على ضربين فى مراتب التكاليف الثلاثة ، فسواء كانا قسيمين على ضربين فى مرتبة التكليف الأولى دون غيرها أو قسيمين على ضربين فى مراتب التكاليف الثلاثة فهذه القسامة تكون على هذين الضربين ؛ إما أن يكون الإسلام قول وعمل ظاهر فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة ويكون الإيمان قول وعمل باطن فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة . أو الضرب الآخر أن يكون الإسلام عمل فقط ظاهر وباطن فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة ويكون الإيمان قول فقط فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكليف الثلاثة . وعندما  يكون الإسلام عمل يكون ظاهر وباطن فى مرتبة التكليف الأولى وفى مراتب التكاليف الثلاثة ويكون الإيمان قول فقط ظاهر وباطن فى مرتبة التكليف الأولى أو فى مراتب التكاليف الثلاثة   فتكون العلاقة بينهما علاقة القسامة ( إنما يكونا قسيمين على ضربين) كما فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندا قال له الوفد الذي جاء : خمس نؤمن بهن وخمس نعمل بهن : فسموا الأمور التي فيها اعتقاد (إيمان ) وسموا الأمورالتي فيها عمل ( إسلام ) ، و هذا عندما سألهم فقال مادلالة إيمانكم وإسلامكم ؟ ، فقالوا خمس وعشرون خصلة ؛ خمس نؤمن بهن (خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بهن) ، وخمس أمرتنا رسلك أن نعمل بهن ، وخمس تخلقنا بها فى الجاهلية إن شئت أن نستمر عليها فذا . قال لهم :( علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء) . فالخمسة التي نؤمن بهن ، قالوا هى : الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره . والخمسة التى يعملوا بهن ، قالوا : شهادة أن لا إلاه إلا الله محمد رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت . فجعلوا الإسلام فى مكان العمل بحقيقته ومتعلقاته ، وجعلوا الإيمان فى مكان القول بحقيقته ومتعلقاته ، هذا معني عندما يكونا قسيمين على ضربين وهو واحد على مراحل التكاليف الثلاثة .

العلاقة الثانية : أن يكون أحدهما جزء من مسمي الآخر :

 وهذا كما فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئِلَ عن الإيمان ما هو ؟ ،  فقال:(السماحة والصبر) ، وسُئِلَ عن الإسلام ما هو ؟ ،  فقال : ( اطعام الطعام وافشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام ) . أيهما أشمل؟ السماحة والصبر أشمل ؛ لأن من كان عنده السماحة والصبر أطعم الطعام وأ فشى السلام وصلى بالليل والناس نيام ، لكن من أطعم وأفشى وصلى لا ينعكس ، لا ترتبط الضرورة أن يكون عنده السماحة والصبر. فإذاً الإيمان أشمل والإسلام جزء من مسماه . وبالتالى يمكن أن يكون الإسلام أشمل والايمان جزء من مسماه  كما في :" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا ".

فيكون هنا الإسلام أشمل والإيمان جزء من مسماه . وهذه العلاقة الثانية ليست لها علاقة  بالإفتراق - الإفتراق والإجتماع – و هذه فى الحقيقة عندما يعبران عن الحقيقة فيكون لكل واحد منهما جزء مسماه أي لكل واحد منهما مسماه وعندما يذكر أحدهما يدخل مسمى اللفظ الغائب تحت معنى اللفظ المذكور . إنما علاقتهما هنا هى علاقتهما مع بعضهما؛ علاقة لفظ الإيمان مع لفظ الإسلام سواء استعملناه فى حقيقته أو فى حقيقته ومتعلقاته أي فى مراتب التكاليف الثلاثة .

العلاقة الثالثة :  أن يكونا كصفتين ملتزمتين بمدلول واحد هو الدين :

فيكون هنا الدين أشمل منهما وتكون هذه صفة للدين ؛ يوصف الدين بأنه إسلام ويوصف الدين بأنه إيمان وهذه دلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة اللزوم . فعندما تقول كلمة ما ، أن تصف الله سبحانه وتعالى بالعزيز فوصف العزيز أو اسم العزيز لله سبحانه وتعالى يدل ثلاث دلالات: يدل على ذات الله سبحانه وتعالى وصفة العزة بالمطابقة ، ويدل على الذات وحدها بالتضمن ويدل على صفة العزة لوحدها بالتضمن أي يدل على أحدهما على الصفة أو الذات منفردة بالتضمن ، ويدل على الصفة الأخرى أو على الاسم الآخر وهو الغفور أو الرحمن أو الرحيم باللزوم . فإذاً دلَّ على العزة والذات بالمطابقة ، على العزة منفردة أو على الذات منفردة بالتضمن، على الاسم الآخر أو على الصفة الأخرى باللزوم.

 فعندما تقول نبى الرحمة يدل هذا على محمد المتصف بصفة الرحمة و هذه دلالة مطابقة تدل على محمد وما وصف به ، وتدل دلالة تضمن على محمد وحده أو على صفة الرحمة وحدها، وتدل دلالة لزوم على نبى الملحمة أو على العاقب أو الحاشر أو كذا و هى الصفات الأخرى المتصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . كذلك عندما تتكلم عن القرآن تصفه بأنه شفاء وتصفه بأنه هدى ونور وفرقان ؛ فعندما تقول فرقان يدل على القرآن وعلى صفة الفرقان وهي فى القرآن بالمطابقة ، وعلى القرآن وحده وعلى صفة الفرقان وحدها بالتضمن ، ويدل على أنه نور وشفاء باللزوم .

     يوصف الدين بأنه اسلام ويوصف بأنه إيمان و يوصف بأنه بر ويوصف بأنه صراط مستقيم و ديناً قيماً ، لأنه عندما سألوه عن الإيمان قال لهم " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر .... " فسمى الإيمان بر . ويسمى تقوى: " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ...." . ويسمى قولا سديدا ، ويسمى صراطا مستقيم ويسمى دينا قيما ، ويسمى حنيفية : " ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ولم يك من المشركين " فيسمى الدين (يوصف) بأنه حنيف ، ويوصف بأنه دين قيم ، ويوصف بأنه صراط مستقيم ويوصف بأنه قول سديد ، ويوصف بأنه إسلام ، ويوصف بأنه إيمان ، ويوصف بأنه تقوى ، ويوصف بأنه بر ؛ كل هؤلاء أوصاف أو أسماء للدين ، فالدين الذى أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم هذه أسمائه كما يسمي القرآن هدى وشفاء ونور وفرقان . فكل هذه الأسماء كما في أسماء الله  و كما في أسماء رسوله  و كما في أسماء كتابه . فعندما تقول مثلاً إسلام فمعناه يدل على الدين الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صفة الإنقياد الموجودة فى هذا الدين بالمطابقة ، و يدل على دين محمد صلي الله عليه و سلم وحده بالتضمن وعلى صفة الانقياد وحدها بالتضمن ، و يدل على صفة التصديق التي فيه أو الصراط المستقيم بالزوم . كذلك عندما تقول إيمان يدل على الدين الذى أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صفة التصديق الموجودة فيه بالمطابقة ، وعلى أحدهما بالتضمن التي هى على دين محمد وحده صلى الله عليه وسلم أو على صفة التصديق التي فيه وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الانقياد باللزوم  .

العلاقة الرابعة : هي تقسيم المراتب :

     وهي كما قال ابن العربي في قوله تعالي " قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " : كما هناك إسلام وإيمان و إحسان يكون الإسلام المرتبة الأولى من مراتب الدين والإيمان المرتبة الثانية  والإحسان المرتبة الثالثة . أو المرتبة الأولى تسمى إيمان مجمل والثانية تسمى إيمان واجب و الثالثة تسمى إيمان كامل أو مستحب .أو المرتبة الأولى تسمى "ظالم لنفسه" والمرتبة الثانية تسمي " مقتصد " والمرتبة الثالثة تسمي " سابق بالخيرات " . أو المرتبة الأولى تسمى " ظالم لنفسه " والمرتبة الثانية تسمى " أهل اليمين " أو " الأبرار " والمرتبة الثالثة تسمى السابقون المقربون . الكفار وعيد بلا وعد ، والظالم نفسه من المسلمين وعد ووعيد ، والمؤمن وعد بلا وعيد و يكون من قسمين: أهل اليمين أو الأبرار ، والمرتبة الثانية " السابقون السابقون أولئك  المقربون" هى أهل الإحسان .

قاعدة لغوية تمهيدية :

كلمة الحد أو الحدود هي ما يعرف به الإسم ، فعندما أقول حدود الأسماء ثلاثة باللغة أو العرف أو الشرع يكون معناها تعريف الأسماء ثلاثة .عندما أقول لك : ماهو القمر؟ ، يكون حد القمر هو الكوكب الذي يظهر هلال فى أول الشهر ثم يكبر ثم يكون بدراً ثم يكون محاقاً و تكتمل دورته على مدى تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً ، ولو كنت تعرف حقيقة أكتر من ذلك ستقول أنه تابع من توابع الأرض ويبلغ حجمه مثلاً ثلث حجم الأرض والجاذبية فيه أقل بكذا و كتلته كذا والمسافة بين الشمس وبين القمر كذا. كل هذا تعريف للقمر. وعندما أقول لك: عرِّف لِىَ الأسد، ما هو الأسد ؟ فتصفه بقولك أنه قط متوحش له لبده وله كذا وطوله كذا وحجمه كذا وقوة ضربته كذا  ويتواجد فى الأماكن الفلانية فتكتب عنه تعريف. أو عَرِّف الجمل أو عرف البقرة أو عرف الحصان أو كذا ، يبقى كلمة الحصان محدود والحد هو  تعريف المحدود .

    إذاً فحدود الأسماء ثلاثة :

1 . منها ما يعرف باللغة فتقول هذا قمر، شمس ، حصان، أسد ، نمر ، سماء ، أرض ، نهر ، بحر ، كل ذلك يعرف باللغة .

2 . ومنها ما يعرف بالعرف " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " . القبض والبسط يعرف بالعرف  فهو أمر نسبى قد يكون بسطاً عند ناس ما هو قبض عند آخرين علي حسب المستوي المادي للمانح .

3 . و منها ما يعرف بالشرع :عندما تقول صلاة أو صوم فهذا اصطلاح شرعى ،  فيكون الصوم هو صيام رمضان أو صيام تطوع من أول الفجر إلي غروب الشمس وتمسك عن كذا وكذا وتترك كذا وكذا ، و يكون الحج فى الشرع الوقوف بعرفات و إقامة شعائر معينة ومناسك . و الصلاة فى الشرع معناها ليس مطلق الدعاء و لكن هيئات وحركات محدودة بأقوال وأدعيات وأذكار محدودة بأوقات معينة بتوجه إلى الكعبة وكذا وكذا .

   إذاً فعندما نقول حدود الأسماء ثلاثة منها ما يعرف باللغة ومنها ما يعرف بالعرف ومنها ما يعرف بالشرع يكون معناها تعريف الحد لمحدوده . فعندما تعرف الشمس والقمر فإنك  تعرف الحد لمحدوده ، و عندما تعرف الصلاة فإنك تعرف الحد لمحدوده و لكن هذه باللغة و هذه  بالشرع . عندما تعرف القبض والبسط يكون تعريف الحد لمحدوده و لكن بالعرف . هذا هو  معنى التعريف .

   التعريف دائماً يكون له أقصى ما ينطبق به الاسم على مسماه وأقل ما ينطبق به الإسم على مسماه. عندما قال سيدنا موسى : اذبحوا بقرة ، لو أتوا بأقل ما ينطبق عليه اسم البقرة كانوا أجزأوا ، لكن لو أتوا بعنزة لا ينطبق عليها  . بقرة ينطبق عليها بقرة فتكون بقرة صغيرة ، كبيرة ، مليحة ، ليست مليحة ، صفراء ، فاقع لونها ، غير صفراء ، مشكلة ، ملونة ، سوداء ، ما دام ينطبق عليها أقل ما ينطبق عليها اسم البقر .

الحد الفاصل بين الإيمان والكفر :

    عندما أطلب منك أن تُعَرِّف حقيقة الإسلام أو حقيقة الإيمان ستقول هى توحيد الألوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية ، و لكن ليس هذا هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر .  فهذا أقل ما ينطبق به الإسم على مسماه لأن التوحيد نفسه ، توحيد الألوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية فيه صلبه وفيه كمالاته والكمالات يتفاوت بها الناس تفاوتاً عظيماً ما بين المشرق والمغرب ؛ صاحب البطاقة التى طاشت لها السجلات له توحيد وهناك توحيد آخر لم ينجو به صاحبه إلا بعد ما مكث في النار مكثاً طويلاً و هو توحيد الجهنميين أصحاب الخواتيم عتقاء الرحمن فهؤلاء لم يعملوا خيراً قط إلا التوحيد ، فتوحيدهم لم يُكفِّر سيئاتهم فعوقبوا بسيئاتهم ونجوا من الخلود فى النار بتوحيدهم . و صاحب البطاقة التي طاشت لها السجلات عنده من كمال الإخبات والترقب والتفويض والإنابة والتسليم وفراغ القلب من سوى الله والتجرد لله سبحانه وتعالى وابتغاء وجه الله وعدم الرياء وكذا وكذا ما يجعله يكفر له سجلات ذنوب فيكون توحيده أقوي .  وهناك إنسان معه توحيد ولكن معه الذنوب " ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" ويموت على التبديد والتغيير، فهناك توحيد تعصف به الذنوب وهناك توحيد يكفر الذنوب وهناك توحيد يبقى مع الذنوب لاهى عصفت به ولا هو كفرها .

     إذاً فقوة التوحيد تفاوتت عند الثلاثة : فالذي عصفت به الذنوب توحيده ضعيف مات على التبديل والتغيير من كثرة ما ران على قلبه من المعاصى ، والذي تبقت معه الذنوب توحيده  أقوى قليلاً فلم تعصف به الذنوب لكن نجا به صاحبه من الخلود فى النار ، والذي كفر عنه  سجلات الذنوب توحيده قوى جداً فأطاح بجملة عظيمة من الذنوب . إذاً التوحيد هذا مع وجود  صلبه يتفاوت بكمالاته ، فالصلب واحد و هو الحد الأدنى  " من مات لايشرك بالله شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار " . فالموجبة التى أنجت أصحاب الخواتيم أو الجهنميين أصحاب الخواتيم عتقاء الرحمن هو نفس الموجبة التى أدخلت رسل الله الكرام الجنة و هى " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " ، هؤلاء دخلوا الجنة و هؤلاء دخلوا الجنة و لكن هؤلاء دخلوها بدون سابقة عذاب ولامناقشة حساب وفى أعلى عليين وهؤلاء   دخلوها بعد آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة ، لكن الموجبة واحدة التى أدخلتهم ، " ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار " فالموجبة واحدة التى خلدتهم فى النار ، وهؤلاء الموجبة واحدة التى أنجتهم من النار وأدخلتهم الجنة .

    إذاً الحد الفاصل بين الإيمان والكفر هو : تعريف الإسلام بحقيقته أو تعريف الإيمان بحقيقته  باقل ما ينطبق به الاسم على مسماه . عندما تقول حقيقة الإسلام تكون " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا " ليست هى الحد الفاصل بل هي حقيقة الإسلام بأقصى ما يتسع به  أوحقيقة الإيمان بأقصى ما يتسع به الإسم من مسماه " إن الدين عند الله الإسلام " ، " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " . " إن الدين عند الله الإسلام "  معناه حقيقة التوحيد بصلبها وكمالاتها . و مطلق الإيمان معه أقل ما ينطبق به الإسم على مسماه أما الإيمان المطلق فمعه الحقيقة وكل المتعلقات ، فهناك فرق بين أقل ما ينطبق به الإسم على مسماه فى الحقيقة فقط  وأقصى ما يتسع به الإسم لمسماه فى الحقيقة فقط ثم معه أقصى ما يتسع به الإسم لمسماه فى الحقيقة ومتعلقاتها أي يعنى هناك إطلاقين إيمان مطلق ( إطلاق الحقيقة) وإطلاق الإيمان كله (الحقيقة والمتعلقات) . عندما نعرف الحد الفاصل بين الإيمان والكفر لابد أن نعرفه بأقل ما ينطبق به الاسم على مسماه .

    إذاً كلمة حد تتفق مع كلمة دلالة فنقول تتنوع الدلالات بتنوع الإستعمالات و يمكن أن  نقول تتنوع الحدود بتنوع الإستعمالات . لكن عندما نقول حد فاصل بين الإيمان والكفر يكون  حد واحد وهو تعريف الإسلام أو الإيمان بحقيقته بأقل ما ينطبق به الإسم على مسماه . عندما  تقول حقيقة الاسلام أو حقيقة الإيمان فتقصد توحيد الألوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية لا يدخل فيها شىء من المتعلقات ولا تقتصر على الحد الأدنى منها بل تتسع لكل ما تتسع له فيكون التعريف هنا بأقصى ما يتسع به الإسم لمسماه . عندما تعرف الإسلام أو الإيمان بأحد متعلقاته أو بجملة من متعلقاته أو بجملة من متعلقاته مع حقيقته أو بحقيقته مع كل متعلقاته فلابد أن تعرفه بأقصى ما يتسع به الإسم لمسماه . عندما تعرفه بحقيقته فقط تعرفه بأقصى ما يتسع به الإسم لمسماه . عندما تعرفه بأقل ما ينطبق به الإسم على مسماه بالنسبة للحقيقة يكون هذا هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الذي يتميز بأنه أقل ما ينطبق وكل الحدود الأخرى أقصى ما يتسع .

كلمة حكم (الحكم بالاسلام) :

   حقيقة الاسلام أو حقيقة الإيمان هى توحيد الالوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية ، ولكن يثبت حكم الإسلام أو يثبت حكم الإيمان بالنص أو بالدلالة أو بالتبعية :

1 .بالنص : إذا كان وثنى  يكفى في حقه ( لا إلاه إلا الله ) ، كتابى لابد في حقه ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، كتابى له اعتقاد خاص فلابد أن يخرج من اعتقاده الخاص ، مرتد لابد أن يخرج من ردته ثم يجبر على قبول الأحكام فإن لم يقبل يكون مرتداً .

2 . بالدلالة : أنه يصلى أو يصوم أو يأتى شعيرة يخالف بها المشركين .

3 . بالتبعية : أن يولد لأبوين مسلمين أو لأب أو أم مسلمة أو كلاهما ، أو تبعية الدار .

فيثبت له حكم الإسلام بأحد هذه الطرق الثلاثة سواء كان عنده حقيقة الإسلام أو ليست عنده لأننا نثبت للصبى أو الوليد أو اللقيط أو المجنون حكم الإسلام وهو غير مكلف، والإيمان تكليف فيكون ليست عنده حقيقة الإسلام لكن عنده حكم الإسلام ، فنأخده بالتبعية وهو غير مكلف لأنه مجنون أو صغير أو ما شابه  " هو الذى أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا " فهو لايعلم شيئا. والإيمان أقل شيء فيه العلم فليست عنده حقيقة الإيمان وهي العلم المبنى عليه الإنقياد لكن يأخذ حكم الإيمان و يأخذ حكم الإسلام و يجزىء فى العتق ؛ فعندما تعتق ولد صغير قوى فكأنك أعتقت رقبة مؤمنة لأنه ثبت له الإيمان حكماً بتبعية الأبوين أو تبعية الدار أو أفضلهما دينا حتى لو كانت الولادة غير شرعية مادام أحد أبويه مسلم يتبع أفضلهما دينا وهو الإسلام . 

   أعتقد أن هذا هو كل ما يمكن أن تجده فلو قرأت كل الكتب فى موضوع الإسلام والإيمان لن تخرج إلا بهذه الحقائق ، فهذه خلاصة كل ما يتعلق بموضوعات الإيمان والإسلام والتوحيد بما نسميه الإقتراب المباشر؛ هذا هو الفهم المباشر لآيات القرآن الكريم واقترابه مباشرةً من الحقيقة وهذا الذي يُخرِج من الحيرة أو من التهوك لأن ديننا يمتاز بأنه دين بيان ودين حسم وليس دين تهوك، ولذلك قال الرسول صلي الله عليه و سلم لعمر رضي الله عنه : ( والله لو كان موسى ابن عمران بين ظهرانيكم ما وسعه إلا اتباعى ؛ لقد جئتكم بها بيضاء نقية أمتهوك فيها يابن الخطاب ) – التهوك معناه الحيرة- فالإسلام لاتهوك فيه ولا فلسفة ولا حيرة ولا تيه ، بل فيه هدوء وفيه حسم ، حقائق علمية قاطعة لاتحتمل الشك ، فهذا هو موضوع الإيمان بحقائقه العلمية القاطعة .

    فوائد في موضوع الإيمان والإسلام :

1.  بالنسبة لحديث جبريل يعتبر الإيمان أشمل والإسلام جزء مسماه . بعض العلماء فسرها كذلك على أساس أن الإيمان بالله والملائكة أسمى من العبادات المذكورة فى الإسلام.

 الأمر الثاني كما قال : ( خمس نؤمن بهن وخمس نعمل بهن )  يكونوا قسيمين على  ضرب واحد أن الإسلام عمل ظاهر وباطن والإيمان قول ظاهر وباطن . لو أنك فسرته  بأنه الإيمان الشامل يكون شامل لكل مراتب التكليف الثلاثة قول وعمل ظاهر وباطن، ويكون الإسلام عمل ظاهر فيعتبر جزء مسمى الإيمان . لا يؤخذ من حديث جبريل مراتب التكليف الثلاثة ، ولكن مراتب التكليف الثلاثة التي تؤخذ منه في :" اليوم أكمات لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " وهذا شامل لكل التكاليف ، لكن حديث جبريل هو المبنى الأول أو الركن الأول و مبانى أربعة . ولا يعني ذلك أن الإسلام هو المبانى الأربعة فقط لأن هناك حديث خالد بن معدان و فيه مبانى أخرى مثل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وأن تسلم على من عرفت ومن لم تعرف ، وإذا  دخلت على أهلك سلمت عليهم فإذا ردوا عليك ردت عليك الملائكة وإذا لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة و هذا هو عنتهم .

 وهناك حديث ( الإسلام صور ومنارات كمنارات الطريق ) فذكر أشياء كثيرة . وفى حديث آخر ذكر نفس أركان الإسلام هذه على أنها الإيمان و ذكر معها أداء الخمس من المغنم (وأنهاكم عن النقير وال..)  وكذا وكذا؛ معناها أن الإسلام لايشمل فقط الركن الأول دون الأركان الأربعة هذه فالأركان الأربعة  ذكرها فى هذا الحديث لشرفها تنويهاً لها لكن لا يقتصر عليها ، وشرفها لسببين : السبب الأول أنها كلها فروض عينية ليس فيها فرض كفاية أي يخاطب بها الشخص . السبب الثاني أنها تعبدية أي غير معقولة المعنى . فكونها تعبدية وعينية أعطاها ميزة عن بقية الأركان الأخرى فى الإسلام كله فاختصت بهذه الميزة أنها ذكرت مع الركن الأول الذي هو حقيقة الإسلام لكن كأنها ركائز فلذلك قالوا المبنى غير البناء ؛ بمعني أنه " بنى الإسلام على خمس" هذه العمد لكن البناء نفسه أوسع من هذا ، البناء نفسه يشمل كل التكاليف الشرعية وهى :" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " فهذا بُنِىَ على مبنى و ما بُنِىَ عليه الأركان فهذه خمسة أركان.

 

2 . الزكاة رغم كونها معقولة المعنى لكنها تعبدية لأنها حق تعبدى ؛ ماكان حقاً خالصا لله أو غير معقول المعنى يرجع إلى التحديدات أيضاً فحكمه ليس فيه اجتهادات أي ليس مداره على تتبع المعانى والنظر فى المقاصد بل مداره على النص نفسه والإجتهاد فيه قليل أي توقيفى ، ولذلك هذا أن نطابق بين العبادات والعادات والمعاملات . فعندما يفسر  الفقهاء يقولوا هذه الفروق : العبادات غير معقولة المعنى حق خالص لله ، والعادات والمعاملات فيها الحقوق الأربعة ؛ فيها ما هو حق خالص لله ، وفيها ما هو حق خالص للعبد ، وفيها ما فيه حق الله وحق العبد وحق العبد غالب ،  وفيها ما فيه حق الله وحق العبد وحق الله غالب ، أما العبادات فهى كلها حق خالص لله.

 العادات والمعاملات مدارها على تتبع المعانى والنظر فى المقاصد أي هى معقولة المعنى والعبادات غير معقولة المعنى ، هذه مدارها على تتبع المعانى والنظر فى المقاصد وهذه توقيفية ، هذه الإجتهاد فيها كثير وهذه الإجتهاد فيها قليل .

 3 . الإيمان لم يأخذ الجزء الباطن و لكن أخذ الجزء القوى على أساس أن الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره عنده القيم التي تبعث على العمل لكن الإسلام عمل ظاهر وهو الفعل نفسه : الصلاة ، الزكاة ، الحج  كذا..كذا.. لكن هذه صادرة عن قيم مستقرة فى النفس وأقر بها الإنسان واستقرت فى النفس . ولايتم الإيمان بالله إلا بالإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فكلمة الإيمان بالله تغنى عن ذكر هذا كله لكن يذكر بعدها لأن هذا مطلوب الإيمان به تنويهاً لشأنه وتحديداً  للإحتراز حتى لايقال أن الإيمان بالله وحده و غير مطلوب الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .

التفسير الأسلم أن هذا قول ظاهر وباطن و هذا عمل ظاهر وباطن يقاس فيما يليه على درب واحد ولذلك قالوا فى الحديث ( خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بهن ، وخمس أمرتنا رسلك أن نعمل بهن ) ، ف ( نعمل بهن ) هو الإسلام  و( نؤمن بهن ) هو الإيمان ، هذا معنى أن يكونا قسيمين . وبعض العلماء يفسروها على أن الإيمان أشمل والإسلام جزء مسماه كما فسروا السماحة والصبر وإطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام ، فيقولوا أن الإسلام هنا عمل محض وهو جزء مسمى الإيمان والإيمان سماحة وصبر فيكون قول وعمل ظاهر وباطن  والإسلام عمل ظاهر فيكون جزء مسمى الإيمان ، لكن التفسير الأول أظهر وأقوى .