نحو بصيرة أعمق بالواقع المعاصر 4

بقلم محمود أبوعجيلة | 6 يونيو, 2015

هذا الصراع جاء أصلاً من ظاهرة ملوك الطوائف وظاهرة التغلب ، فالدولة العثمانية كانت دولة إمبراطورية و لكن تحولت مع هذا الصراع إلي دولة اسمية أي غطاء كبير قوى لكن تحته شراذم ، والشراذم هذه غير متآلفة ، و كانت أوروبا كذلك عندها الدولة الجرمانية المقدسة فى صراع مع البابا ، وكان داخلها دوقات أو كانتونات ، أي وحدة زائفة تحتها شراذم كثيرة ، و عندما سقطت هذه الوحدة قامت دول كبرى مثل إنجلترا وفرنسا فأكلت دولة النبلاء لكن نمت تحتها دولة الرأسماليين التي خرجت متعافية من الصراع ، لأنه خلال 800 سنة كانت الحروب فى طبقة النبلاء فسقطت طبقة النبلاء وكانت طبقة الرأسماليين بعيداً عن هذا الإرهاق مدخرة قوتها كلها مع رأس مال ضخم وأموال ضخمة وإكتشافات علمية بدأت تتكون ، فبدأ العلم والمال والكشوفات الجغرافية في عمل الثالوث : علم ومال يصنع قوة ، والقوة تأتى بالاستعمار ، والاستعمار يأتى بمزيد من المال ، والمال يسخروه فى خدمة العلم فيأتى بمزيد من العلم ، ثم العلم مع المال يصنع قوة أخري ، وهكذا بدأت الدورة تعمل باستمرار فاكتسبوا طفرة جديدة من العلم وطفرة جديدة من المال أدت إلي طفرة جديدة من الاستعمار والقوة العالمية ، وهكذا بدأوا عملية نهب ثروات الشعوب وتسخير التقدم المستمر فى العلم ، حلقة متصاعدة من العلم والمال والقوة في الوقت الذي فرضوا فيه علي العالم الإسلامي استعمار أرهقه لقرون عدة ، ثم أسقطوا الاتحاد السوفيتى فرجع الاستعمار بشكل جديد و هو الزحف الأمريكى أحادى القطب أو العولمة والسيطرة على العالم الاسلامى وتمزيقه شزر مزر وعودته مرة آخرى لمسائل الدول النامية ومشاكل الدول النامية والصراعات التي فيها ، وعملوا الفصل بين الدول الغنية التي هي عبارة عن إقطاعيات و دويلات صغيرة وبين دول الأزمات و هي الدول الكبرى . الدولة الكبرى عندها رصيد من البشر يصلح لتكوين قوة لكن ليس عندها مال ، والدولة الثانية عندها مال لكن ليس عندها قوة فتحتاج إلي الأخري لحمايتها ، فمجموعة حمايات ومجموعة أزمات .. هذا هو الواقع الذي نعيش فيه ..

دعوتنا شرعية حضارية ، فمن غير الممكن مع هذا الواقع أن تقتصر على دعوة الرسل والإحياء السنى و تترك حركة صلاح الدين أو الخروج من النفق المظلم .. لابد أن تدخل الحضارة عن طريق معطياتها : العلم و وحدة الصف والقوة و قوة الإيمان .. أنشأ طلعت حرب شركات و كذلك فعلت اليابان ، شركات عملاقة مع وجود خبرات : خبرات فنية أساسية وخبرات فنية مساعدة و خبرات إدارية و خبرات مالية وخبرات تجارية وخبرات تسويقية ، و هذه هي خبرات الانتاج ، لابد أن يكون عندك هيكل الإنتاج الرئيسى ثم هيكل الصيانة ثم الهيكل الإدارى وعندك الهيكل التسويقى والهيكل التجارى والهيكل المالى .. نخب إنتاجية مؤسساتية لا أدباء ولا مفكرين ولا شعراء ولا وعاظ ولا مشايخ ولا مثقفين ، كل هذا لن يُجدي نفعاً .. لما قامت مارجريت تاتشر بإلغاء المصانع وشغلت بريطانيا على أساس سوق مالية انحطت بريطانيا فما بالك بالدول النامية عندما تتحول إلى التجارة و تترك الصناعة ..

للعلاَّمة الأستاذ عبد المجيد الشاذلي - رحمه الله -