الرؤية الشرعية أولاً قبل السياسية ..

بقلم محمود أبوعجيلة | 4 يونيو, 2015

لابد أن نطرح الرؤية الشرعية أولاً لأنه من مجموع الخبرات السياسية التي مررنا بها والصراعات مع الباطل اتضح أنه لم يسلك الطريق بوعي إلا من فهموا الرؤية الشرعية فهماً جيداً وكل الطرق غير ذلك أثبتت فشلها لأسباب معينة أو لأخري ، لا بسبب تقصير من الأخوة ولكن لشراسة العداء ولضراوة المواجهة ، حتي سُرِقت حركة سلمية مثل الثورة باستخفاف شديد ، فاتضح أنه لابد من المواجهة الكاملة و ليس المواجهة المنقوصة ، فقد جربنا الاعتزال كما فعل طه السماوي وغيره ، جربنا الدعوة فقط بدون مواجهة ، جربنا الجهاد المنقوص و الضرب العشوائي ، جربنا النضال السياسي ، و كل هذا بدون نتيجة .. فلابد من المواجهة الكاملة ، مواجهة كاملة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ، مواجهة شرسة باستماته لاعلاء كلمة الحق ، و هذه المواجهة الكاملة تحتاج إلي فهم كامل للأمور الشرعية ..

من أجل ذلك سنتكلم أولاً عن الوضع الأنسب للدولة التي نريدها والدار التي نريدها ، هي دار تقوم على ولاية الإسلام و نقيم فيها شرع الله ، لا توجد دار إسلام تخلو من هذين المعنين .. هذه الدار أسمي مراتبها أن تكون علي السنة المحضة ، ثم بعد ذلك أن تكون علي السنة العامة التي فيها خير وفيها دخن وما دخنها إلا شيء من الجور أو شيء من التقصير عما كان عليه الصدر الأول .. هذه الدار هي الواجبة الإتباع والالتزام ، تقاتل معها وتقاتل دونها .. ثم هناك دار الفسق التي فيها سريان للفساد لكن داخل نطاق الإسلام .. ثم هناك دار البدعة مثل الخوارج والروافض وما جري مجراهم .. ثم هناك دار الفرقة التي فيها قتال على الملك .. كل هذه الديار قائمة على أساس واحد و لكن حدث انحطاط في السلوك والممارسة عن المستوي الأول .. الأساس واحد و هو الاجتماع على الإسلام أي الإلتزام بولاية الإسلام والانتساب إلى الشرع بإقامة شرع الله بانضباط أو بانحراف ..

هناك أيضاً دور الردة ، و الردة ثلاثة أنواع : إما ردة عن الشرائع وإما ردة إلى بدعة مكفرة وإما ردة عن أصل الدين إلى الكفر .. دار الردة عن الشرائع واجبة الاسترداد أبداً إلي يوم القيامة فصورتها صورة الكفر وحكمها حكم الإسلام ، و دار الردة إلى بدعة مكفرة يعتبر منتسبيها كفاراً بعد ثلاثة أجيال ولا يجب استردادها بعد ذلك كما قال الفقهاء فصورتها صورة الكفر و حكمها حكم الكفر ، و دار الردة عن أصل الدين هي دار كفر صورتها صورة الكفر وحكمها حكم الكفر أي كفرها حكمي ..

دار الردة عن الشرائع واجبة الاسترداد أبد الدهر ، و لها صورة الكفر لجريان أحكام الكفر عليها وهذا يسقط شرعية الوضع وشرعية النظام ، لكن لها حكم الإسلام لأن هذا الوضع تمَّ فرضه على الدار ، فمن الناس من خضع له لحالة الاستضعاف و هي تعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ، منهم من يجهل وضعها و منهم من يعلم وضعها لكن لا يستطيع أن يقاومها ، و منهم من يرضي عن وضعها فيأخد حكمها فالكفر فيها باطن ، لكن الردة إلى بدعة مكفرة أو الردة عن أصل الدين ظاهرها مثل باطنها أي أنَّ كفرها حكمي وأمر التابع مثل أمر المتبوع ..

دار الردة عن الشرائع حكمها حكم الإسلام لعدة أمور : الأمر الأول أنَّ الإسلام يعلو ولا يُعلي عليه ، الأمر الثاني أنَّ الإسلام سابق والردة طارئة ، الأمر الثالث أنه لم يتأصل فيها الكفر بحيث يصبح حكمي ولكن هو ظواهر ردة و شرك موجودة منذ القرن السادس من حيث فساد الاعتقادات ومن حيث الممارسات الشركية في العبادة ثم أُضيفَ إليها شرك الحاكمية وشرك الولاء .. إثبات الظواهر لا يتحتم منه التعيين في حق كل فرد ، وعدم القدرة على التعيين لا تنفي ثبوت الظواهر ، هذه قاعدة لابد من حفظها ، نحن نثبت الظواهر ولا نعلم على من تنطبق ، فالظاهرة موجودة و إثبات الظاهرة لا يتحتم منه التعيين في حق الأفراد وعدم القدرة على التعيين لا ينفي ثبوت الظاهرة ، و لم يحدث تأصل للكفر بحيث يصبح حكمي ، لم يتأصل في المجتمعات ولكن فُرِضَ على الناس فرضاً بحكم الاستضعاف و هو تعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال فمنهم من رضي به ومنهم من لم يرضَ به وعجز عن مقاومته ومنهم من قاومه واستشهد في هذه المقاومة وأبلي بلاءً حسنا لله وشهد شهادة الحق ، فالناس بالنسبة للوضع الذي طرأ عليهم أخلاط شتي ، أما في الردة عن أصل الدين أو الردة إلى بدعة مكفرة يكونون نوعاً واحداً و كفرهم حكمي و حدث تغير للتبعية : فثبت الكفر بالشارة الظاهرة أو بالاسم الظاهر أو بالاعمال الظاهرة ولا يحتاج إلي اطلاع علي البواطن ، و حدث تمايز فسطاطات أو تمايز انتساب ، و يكون الناس قادرين على توريث أبنائهم ما هم عليه ، و يكون أمر التابع مثل أمر المتبوع ..

إذاً فالوجود التاريخي للأمة مستمر لكن الوجود الشرعي انقطع فصارت دار الإسلام دار ردة عن الشرائع حتي لو حسُنَ إسلام القائم عليها ، هذا لا ينفي صفتها ، فلها صورة الكفر و هذا يسقط شرعية الأنظمة لكن يبقي المجتمع تاريخياً امتداد للأمة المسلمة أي لم ينقطع الوجود التاريخي للأمة المسلمة .. هذه الدار واجبة الاسترداد مادام الكفر لم يتأصل فيها و ظل حكمها حكم الإسلام من ناحية المجتمع لا من ناحية الحكومة ، ومادامت يجب استردادها فيجب عمارتها من الآن ويجب الحرص عليها ، يجب أن ننقلها من العلمانية إلى الإسلام ، و من التبعية إلى الريادة ، يجب أن نجاهد عليها ونحارب عليها ، ليست مصر وحدها بل كل ديار الإسلام ، يجب ألا نعتبرها دار كفر ونعتزلها ، أو نعتزل الصراع القائم عليها ، و هذا يفرض علينا الانخراط في العمل السياسي و العمل الاجتماعي و العمل الخيري و العمل الجهادي ..

هذا كلام علمي تحديداً و ليس خيالات لا يمكن تحقيقها ، بل ممكن تحقيقها ، و هذا يفرض علينا الانخراط في المجتمع وأخذ خطوط كثيرة للدعوة و الحركة و أخذ الأمر بقوة مادمنا قد عرفنا أهدافنا وعرفنا موقفنا ، فهدفنا ارتبط بأمر شرعي ، و عندما تحركنا على غير أساس شرعي لم نصل لنتيجة ، ولا الذين اعتزلوا وصلوا لنتيجة ، ولا الذين كَفَّروا المجتمع و اعتزلوا وصلوا لنتيجة ، ولا الذين قالوا إن المجتمع مسلم وانخرطوا فيه وبذلوا أقصي درجات التماهي مع المجتمع والتنازلات وصلوا لنتيجة .. يجب أن نبحث عن أمرنا الشرعي ونتحرك وفقه وننخرط في المجتمع و نري ما نقبله وما لا نقبله وما نتنازل عنه و مالا نتنازل عنه .. أمورنا الشرعية تفرض علينا أمورنا السياسية ، فلابد أن ننطلق من رؤية شرعية إلي الرؤية السياسية ، والرؤية السياسية تضع لها أهدافها وتبدأ الحركة لتحقيق هذه الأهداف ، الأهداف السياسية بالنسبة لبلدنا أولها الدعوة إلى التوحيد ، ثم الدفاع عن السنة و إحياءها كما أحياها ابن تيمية ، ثم إحياء الأمة ، ثم إقامة الدولة .. إذاً قد وصلنا من الرؤية الشرعية لأهداف سياسية ، لا تنازل فيها ..

العلاَّمة الأستاذ عبد المجيد الشاذلي - رحمه الله -