حد الإسلام وحقيقة الإيمان

قراءة عامة ومفاتيح لكتاب حد الإسلام وحقيقة الإيمان

هو أشهر كتبه، وباكورة مؤلفاته رحمه الله، وبه اشتهر وعُرف، شرع فيه منذ أن كان في سجون عبد الناصر.. دفعه إلى الكتاب تأصيل قضية التوحيد من كلام سلف الأمة، والرد على المرجئة الذين اختبؤوا خلف مقررات علم الكلام ففرغوا الدين من محتواه وأصبحت عقائدهم تسمح بوجود العلمانية والقومية وترسخ لاستقرارها، وأصبح دورهم سدنة للعلمانية يعطونها الشرعية لتغريب المسلمين وسلخهم عن دينهم.

كذلك ثارت شبهات كثيرة حول قضية الحاكمية وقبول شرع الله، وخرجت شبهات تقول أن الحاكمية بمعنى «قبول شرع الله تعالى ورفض ما سواه» ليست من التوحيد، وأخرى تقول بل هي من التوحيد وهذا أصل الدين لكن الواقع اليوم ليس ردا للأحكام بل هو انحراف في إطار معاصي واقعة كزمن بني أمية وبني العباس.

أوضح الأستاذ سيد قطب رحمه الله القضية وأوضح حقيقة الدين من النصوص المباشرة من القرآن العظيم، كتاب هذه الدعوة، كما كان يقول رحمه الله، وفي الجانب الآخر عالج الشيخ الشاذلي الأمر من خلال كتب السلف وأصول الفقه والشريعة، ليوضح حقيقة الدين ومعنى الإسلام التي أوضحتها النصوص وأن هذا ما كان عليه القرون المفضلة وما حمله أئمة الهدى بعيدا عن انحراف المتكلمين والفلاسفة ومقررات الجهمية ومن تلقى منهم العقائد ظاهرة كانت أو مستترة.

قال رحمه الله: «كتبت المقدمة الأصولية في ثلاث سنوات تقريبا»، وأكمله بعد خروجه، وناقش فيه حسم القضايا العقدية التي تتعلق بقبول شرع الله تعالى، وقد أحدث الكتاب حراكا على الساحة، ومن المفارقات أن الكتاب قد انتسب إليه كثير ممن يقول بعقائد لم ترِد فيه ، كما هاجمه الكثير ممن لم يقرؤوه! ولكن تطوعوا لأسباب تخصهم يُسألون هم عنها!!

كان يعلم رحمه الله أن هذا التفاعل والحراك هو أمر إيجابي وأن زيادة النقاش والحراك حوله سيوضح قضيته أكثر ويساعد في نشر المفهوم، لم يكن منزعجا على الإطلاق حتى من الافتراءات، وكان واثقا أن الأمر سيتضح ولو بعد حين.

والتمس العذر في كمّ الركام من عقائد المتكلمين وتسرب عقائدهم إلى كثير ممن انتسب إلى السُنة، بل إن بعض العلماء يناقش أحيانا نفس المسألة بطريقتين، فيناقشها أحيانا بطريقة المتكلمين فيقول بقول مبتَدع، ويناقش نفس القضية في موضع آخر بكلام إمامه كالإمام أحمد فيقول بقول السنة والسلف، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول.

ولكن لما كثرت الشبهات المطروحة، وخشي من استقرارها دفعه واجب البلاغ وفريضة البيان فاستجاب لما أُثير من الشبهات وعالجها في كتب أخرى صدرت بعد ذلك، كما فعل في «البلاغ المبين» بإسهاب، وفي «وصية لقمان» باختصار.

تميز كتاب «حد الإسلام» بغزارة العلم وعمق التأصيل، ترى فيه قضية تشغل صاحبها وهَمّا يحمله على كتفه وأمانة يؤديها.

بدأ الكتاب بمقدمة مختصرة شرح فيها خطته في البحث، ثم ثنى بمقدمة حول الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية، وهي مقدمة أخلاقية في طريقة عرض الحق ومجادلة الخصم وقواعد النقاش، ومتى يناقش؟ وكيف؟ ومتى يسكت؟ تناول قواعد مهمة كالتوازن، والتدرج .. وغير ذلك، وهي مقدمة غزيرة الفائدة، كما أن لها أبعادها التربوية.

كان له اهتمام خاص بسِمة التوازن، وهمّ رحمه الله أن يؤلف فيها مؤلفا خاصا، لكنه اكتفى بهذه الإشارة، لكنه كان كثير التنويه لهذه الخاصية في دين الله تعالى، ويقول أن سمة هذا الدين وميزته الواضحة التوازن بين القيم المتقابلة.. بين الفرد والجماعة، وبين الروح والجسد، وبين العدل وإنزال الناس منازلهم كتوقير الكبير؛ بحيث لا يشط مع التسوية فيخسر قيمة توقير الكبير وإنزال الناس منازلهم ولا يتمادى مع التوقير فيخسر قيمة العدل، ولكن السِّمة أن كل قيمة تمنع تمدد القيمة المقابلة لها وتخفف منها لتتوازن القيم وتسير في خطوط متوازية لا تتناقض.

ثم ثنّى بمقدمة أصولية شرح فيها قواعد مدرسة أهل الأثر في الاستدلال والتعامل مع النصوص، ومن فهمها واستوعبها كان عنده من العمق في الاستدلال ووضع النصوص في مواضعها ما يمنعه من الزيغ إلى التمسك بجزئي في مواجهة كلي فيهدمه، أو اعتبار كليّ اعتبارا يخل بالنصوص الجزئية، وكذلك ما يمنعه من التمسك بالظاهر بلا تدبر للمقاصد أو تتبع للمعنى، بما يهدر قيمة النصوص والصيغ، وكذلك ما يمنع أن يتمسك بنص منفرد لا يجمعه مع غيره ليصل ما أمر الله به أن يوصل لئلا تضطرب النصوص بين يديه، ويمنع التمادي في التأويل بلا ضوابط حتى يوهن شأن النص، كما بين فيها أهمية المحكم وكيفية معرفته، وطرق معرفة العموم المحفوظ الذي لا يقبل التخصيص لإحكامه.

كما بيّن قيمة المحكمات وثباتها وفهم النصوص في ضوئها، وأوضح أن قضايا الأعيان وحكايات الأحوال لا تنهض لمعارضة الجزئيات فضلا عن أن تعارض كليات الشريعة المحكمة، لأن الشريعة سياق واحد ونسيج متجانس )وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(.

وقد رأينا على الساحة من افتقد لهذا العلم فهدم أصول الدين ومحكماته، لنص لم يحسن معرفته، وقد يجهد في إثبات هذه الأصول أولا ثم يهدمها بفهم مضطرب.. وهكذا، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا([1]).

ـ ثم تكلم عن التوحيد وأنه أصل الدين وتكلم عن خصائصه، ثم تناول توحيد الاعتقاد ومسائل القدر قاصدا نقل مفهوم أهل السنة في جانب الاعتقاد ليكون الكتاب مشتملا على معالجة جانبي التوحيد لئلا يهمل جانب على حساب جانب آخر، وإن كان الكتاب قد تناول مسائل التوحيد العملي «توحيد العبادة» بإسهاب بسبب إهماله تحت مطارق الإرجاء وعلم الكلام.

حرر مسائل القدر وجُملا تعد أصولا في باب الأسماء والصفات، ونقل نقاش شيخ الإسلام للمعتزلة والأشاعرة لبيان الموقف الحق لأهل السنة في هذه القضايا، فحرر هذه القضايا تحريرا مجملا، لكنه غزير، سواء من ناحية ما اختاره عن شيخ الإسلام أو فيما تدخل من هوامش مركّزة وجامعة ـ كعادته رحمه الله.

ثم أفرد لبيان معنى وأهمية وقيمة وأساس التوحيد العملي عند سلف الأمة والذي أغفله المتكلمون الذين سيطروا على التوجيه الديني في القرون المتأخرة، وذلك من خلال عدة رسائل للإمامين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

ثم تناول الايمان والإسلام ومعنى كل لفظ منهما ودلالته منفردا عن الآخر ومقترنا به، في حالة دلالتهما على أصل الدين، وفي حالة دلالتهما على الفروع، وذكر كذلك دلالات مفردة للفظ الايمان تفرد بها.. في تقرير فريد وجامع.

ومما أوضحه جليا رحمه الله علاقة الايمان بالتوحيد وأن دلالتهما على أصل الدين واحدة عندما يراد بالإيمان الأصل.

وقال رحمه الله: أن علماء السلف ناقشوا الايمان بطريقة نقاش الايمان الواجب ودخول الأعمال فيه وإثبات الثواب والعقاب، وأحيانا يُدخلون الكلام في «أصل الايمان» في ضمن هذا فيكون النقاش في الفروع الواجبة ويتناول الأصل أحيانا ؛ فتظهر قضية دخول الأعمال في الإيمان وإثبات الثواب والعقاب والوعد والوعيد ولكن لا يظهر الأصل بوضوح وتحديد كافٍ.

وأما ابن تيمية فقد ناقش الإيمان بطريقتين؛ فأحيانا يناقشه بهذه الطريقة.. وفي مواضع أخرى يناقشه من خلال التوحيد، فيشرحه من خلال سورتي الإخلاص ويسمي توحيد الاعتقاد بالايمان القولي، ويسمي توحيد العبادة بالإيمان العملي وهو الإسلام.

ويقول رحمه الله أن الطريقة الأولى صحيحة، عالجت مسألة الإرجاء في الإيمان الواجب فأثبتت دخول الأعمال في مسمى الايمان وتسميتها إيمانا وإثبات الثواب والعقاب والوعد والوعيد، لكن يستخدمها بلا فهم أو بطريقة خبيثة من يُبطن عقائد الإرجاء في الأصل ويقول بقول أهل السنة في الفروع ويقول على السلف ما لم يقولوه ليثبت عكس ما كانوا عليه، وأما الطريقة الثانية فحاسمة فيما يخص حسم قضايا الأصل ودخول توحيد العبادة وإفراد الله بالعبادة من النسك ومن قبول الشرائع.

أوضح أن الايمان ليس مجرد التصديق من خلال اللغة والقرآن والمعلوم من الدين بالضرورة، وأوضح سبب البدعة بالقول بأن الايمان هو التصديق فقط أو الاقرار الخبري مع التصديق، وأوضح المآخذ الشرعية الصحيحة في معرفة دلالات الألفاظ الشرعية، وهو في كل ما يقرره ناقلا عن السلف وخاصة مدرسة ابن تيمية وموضحا استدلالاته، في اختيارات تدل على عمق علمه وخبرته بكلام مدرسة ابن تيمية ويرتبها ترتيبا علميا بحيث تفضي كل مسألة إلى ما بعدها بطريقة منطقية تبني المفاهيم العلمية بناء متينا ومحكما.

أوضح خطورة إطلاق القول أن الكفر العملي هو كفر أصغر وأوضح أصل اللفظ في استعمالات السلف وأوضح كيف انحرف المبتدعة عما قصده السلف.

قال رحمه الله أن علماء المتكلمين أو من تأثروا بعلم الكلام في باب العقائد عندما يتناولون الايمان من باب دلالة اللفظ اللغوي يضطربون، وهم أنفسهم عندما يتناولونه من باب الإسلام والتوحيد وأن الايمان دين والدين هو الإسلام والدين والإسلام عمل، فلا بد في الايمان من عمل في الأصل وإلا لم يكن هو دين الله تعالى، وأن العمل في الأصل هو إفراد الله تعالى بحقه الخالص بقبول شرعه ورفض ما سواه «التزام شريعته» والتزام ولاية الإسلام دون غيره وصرف حق الله في العبادة «النسك» له بلا شريك، وهي معاني «الطاعة والتعظيم والحب» أو كما يقول بعض السلف «أن يكون الله تعالى أحب الأشياء إلى العبد وأحقها بالتعظيم وأوْلاها بالطاعة»، وأوضح ضوابط معرفة هذه الأركان من خلال نصوص الكتاب، وقد أشرنا إليها تحت عنوان «اجتهاداته في التفسير» ويراجع في هذا «وصية لقمان والبلاغ المبين».

أوضح رحمه الله ـ في نقول نفيسة جدا عن شيخ الإسلام ـ كيف تسللت جرثومة الإرجاء إلى بعض المنتسبين إلى السنة، وكيف وصل الإرجاء بهم أن اختلفوا في كفر «من سجد للصنم وهو يعلم وجود الله ويعلم صحة الرسالة»، واختلفوا في مسألة افترضوها وهي هل من علم بصحة الرسالة وأقر بوجود الله وقاتل الرسول فقتل الرسولَ أو قتله الرسول هل يكون مؤمنا في الباطن؟!!

كما أوضح تقسيم فرق المرجئة وأنواعهم.. ثم تفرد بباب مهم جدا وهو «عمومات وإطلاقات ربما أوهمت غير المراد منها»، يقصد بعض الأحاديث التي علقت بعض الأحكام الدنيوية أو الأخروية على التلفظ بـ «لا اله الا الله»، وقام بجمع للأدلة وبيان عدة مآخذ للعلماء في تفسيرها، فنقل عن الشاطبي والمنذري وابن القيم، رحم الله الجميع، وقد بدا فيه غزارة علمه وفهمه لكلام الأئمة واجتهاده وتميزه رحمه الله، كما تفرد رحمه الله بالجمع بين الروايات ودلالة اختلاف ألفاظ الروايات، فرحمه الله وبارك في أثره.

تطرق لقضايا الأعيان ليوضح عدم تأثيرها في تقرير المحكمات، كما أشار إلى تأثير الشرط الفاسد، واستطرد الى بعض أحكام القتال.

ثم تكلم في باب «نفي الحكم عن غير الله» فحرر المقصود من ناحية القبول والرفض، ومن ناحية تعلقه بالتوحيد العلمي والعملي، وناقش كل ما يرد أو يُتوهم في تقرير هذا الأصل، كما نظر إلى الواقع وأوضح حقيقته في بحث متفرد ليعرف به الناس معنى القانون ومعنى الدينونة ومعنى الاستسلام لله أو لغيره، وليوضح أن مشكلة واقع اليوم ليست في شيوع المعاصي فحسب ولكن هناك رد للشريعة من خلال تبديلها، بإحلال الشرائع المبدلة وهي القوانين التي تكتسب صفة الإلزام من صدروها من غير الله تعالى، وهذه نقطة حاكمة، كم غابت عن دعاة ووعاظ وعلماء فابتعدوا عن مجال التوجيه الأساس الذي كان يجب توجيه الجهد إليه لكشف هذه الغمة التاريخية عن الأمة.

أوضح بقوة الفرق بين قبول الحكم وبين الدخول في العمل، ومن لم يفهم الفرق بينهما وجعل حكمهما واحدا فإما يرجيء ويفرّط، وإما يغلو ويُفْرط.

أوضح في تناول عميق، وبقواعد أصولية وقواعد في التفسير، معنى قوله تعالى )وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (وبيّن متى يكون الكفر كفرا أكبر ومتى يكون كفرا أصغر وأوضح مأخذ السلف في الاستدلال بآيات وردت في الكفار والاستدلال بها في شأن معاصي المسلمين.

وقرر رحمه الله القاعدة التالية والتي تضبط أمر الحكم بغير ما أنزل الله على قواعد أهل السنة، وقد التزم كثير من أساتذة العقيدة المعاصرين هذه الجملة التي ذكرها الشيخ في هذا الباب وفي مقدمة الكتاب، كجملة ثابتة تعبر عن موقف أهل السنة من موضوع الحكم بغير ما أنزل ومتى يكون كفرا أكبر ومتى يكون كفرا دون كفر، فقال رحمه الله:

«أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون على ضربين:

أحدهما: أن يحكم بغير ما أنزل الله، التزاما لشرع غير شرع الله، وهو كفر ينقل عن الملة.

الثاني: أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له، مع بقاء إلتزامه بشرع الله، فهو كفر دون كفر».

مع بيان «القاعدة التي ذكرها ابن تيمية في منهاج السنة الجزء الثالث بمعناها، وإن لم أنقلها عنه بلفظها هنا وهي: أن من لم يلتزم حكم الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا فهو كافر»([2]).

ختم رحمه الله هذا الباب بفصل متفرد استقرأ فيه كثيرا من الآيات التي وردت في شأن التشريع والحكم، حتى أن من يقرأ هذا الفصل يعلم دلالة كثير من الآيات لم يكن يعلم تناولها لقضية التشريع والحاكمية، فكان أكثر فهما لكتاب الله تعالى ولقضاياه وأكثر معايشة له، وأقوى استدلالا، وأعمق فهما، وصار بين يديه ما لا يُحصى من المداخل لشرح قضاياه في الدعوة.. فجزاه الله عنا خير الجزاء.

وهو في هذا يقرر رحمه الله أن القواعد والأصول المحكمة لا تستند في الاستدلال بها إلى دليل فذّ ـ وإن كان هذا كافيا وتقوم به الحجة ـ ولكن لزيادة البيان: يتكرر فيتقرر وينتشر فيتأكد، كما يقول الشاطبي رحمه الله.

تناول باب الولاء بطريقة فريدة، فصدّر الباب باستقراء الآيات والأحاديث التي جاءت في الولاء، وفيما أتى به إشارة عميقة حيث جاء بما هو نص في إفراد الله بالولاء، وفي شأن الجماعة وعدم التفرق وفي شأن الذرائع المفضية إلى الولاء المحرم بالأحاديث التي نهت عن  الراية العمية والعصبية الجاهلية والتفرق بالشحناء الدنيوية أو الدينية.

أوضح مناطات الولاء، وناقش قضية حاطب t بتوضيح الأركان المادية التي فعلها حاطب والفرق بينها وبين الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وبين الفرق من حيث القصد والفعل الجنائي، وأن فعل حاطب ـ بهذه الضوابط ـ معصية، وأن فعل أصحاب مسجد الضرار كفر، باعتبار القصد والأفعال، لا باعتبارات أخرى يضعها المبتدعة لتفريغ الدين من حقيقته.

أوضح حالات الجماعة المسلمة واختلاف طوائفها ووجود الرابطة العقدية بين الجميع والنهي عن الاختلاف.

وأوضح أمر الهجرة وأحوال الناس عندها زمن رسول الله ﷺ، وكذلك فيمن بعده، وهذه المناطات تُفهم كلها في ضوء إفراد الله بالولاء وعدم التفرق الذي يؤدي إلى أو يُبنى على التولي بغير ولاية الإسلام، ولئلا يؤدي عدم الهجرة ـ كمعصية ـ إلى الردة بالتعرض للفتنة فيستجيب للضغوط ويترك الدين رأسا، أو يقع في مظاهرة المشركين على المسلمين، أو التآمر مع المشركين على المسلمين، أو التولي بغير ولاية الإسلام.

واستطرد إلى بيان معنى الجماعة الممكّنة وجماعة العلماء وناقش حديث حذيفة وأوضح معناه، وهو حديث عظيم القدر كثيرا ما أُسيء فهمه، ويستخدمه الكثير على الساحة استخداما باطلا، فجعل البعض ـ بجهله ـ الحديث في مجموعات العمل الإسلامي التي هي جماعات أهل سنة، فأوضح فضيلته أن الحديث إنما هو في العلمانيين والقوميين الذين هم «دعاة على أبواب جهنم» يدعون إلى الانسلاخ من الدين هوية وشريعة بل وديانة ونحلة وعقائد، في استخفافٍ به وطعنٍ فيه.

ثم ألْحق ذلك الباب بتأثير عوامل الخطأ والنسيان والجهل والإكراه في حد الإسلام، وأوضح رحمه الله قواعد مجملة ومهمة وجامعة في هذا الشأن على وعد أن يفصلها في كتاب آخر، وقد يسر الله تعالى له أن يفي بوعده، فكان كتاب «البلاغ المبين».

وبيانا لما أثاره البعض من تهم باطلة، قدم للطبعة الثانية مفاتيح لفهم الكتاب أوضح فيها قواعد لفهم ما طرحه، منها الفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، والفرق بين حقيقة الإسلام وحكم الإسلام، وأنه بصدد بيان الحقيقة لا في مجال الأحكام، وأوضح تنوع الدلالات بتنوع الاستعمالات وأن من لم يحرر هذا اختلطت عليه بعض الإطلاقات وظن أنها المقصودة في كل محل، وأوضح رحمه الله سبب نقله عن بعض الأشاعرة الموافقين لأهل السنة فيما طرح من القضايا.

ولنفس السبب ألحق بالباب ملحقا من ثلاثة أجزاء، يتناول فيه نقولا عن الفقهاء لبيان طرق إثبات حكم الإسلام كأمر مستقل عن بيان حقيقة الإسلام، وأن الأول أمر فقهي، وأما الحقيقة فهي أمر عقدي.

أوضح كذلك أمر اللوث وأنه مستعمل عند الفقهاء في عدة قضايا فقهية، وأن هذا ما قصده كحالات خاصة من حالات الكافر الأصلي لا كأمر عام، وأما الأمر العام في الحكم على الناس فكرر أن الإسلام هو الأصل وأن حالات الردة تخضع للضوابط الشرعية كحالة ردة خاصة بصاحب الفعل أو القول أو الاعتقاد، ويشير رحمه الله إلى أهمية أن يكون الحكم في هذه الحالات إلى هيئات شرعية.

ثم أوضح أحكام الديار المعاصرة واعتبار أصل الإسلام في أهلها وانتساب الدار إلى الإسلام، واعتبار تنحية الشريعة، وما يترتب على كل مناط من حكم؛ انتساب الدار للإسلام مع تنحية الشريعة، وتأثير كل حكم على حدة في مجاله، وهو اجتهاد فصّله في «البلاغ المبين»، وهو مبني على اجتهاد علماء اليمن وعلماء الهند في حالة الاحتلال الانجليزي لبلادهم وإقامة محاكم على غير الشريعة، وهو اجتهاد يجمع به الأمة ولا يتنازل فيه عن بلادنا للعلمانيين ولا يُكفر به عموم المسلمين بل يُدفعون بهذا الاجتهاد إلى استرداد «أوطانهم الإسلامية السليبة».

وفي الجزء الثاني من الملحق أوضح الايمان والإسلام المقابل للكفر، وأشار إلى تنوع الدلالات بتنوع الاستعمالات، ونقل عن الأئمة بيان ارتباط التوحيد بالايمان.

وفي الجزء الأخير من الملحق أوضح سبب النص على أركان توحيد العبادة وسبب تحديدها بالأركان الثلاثة، كما يوجد ملحق لغوي بالكتاب للإصطلاحات الواردة، الغالبة والشائعة، في الكتاب.

 

([1] ) أثنى رحمه الله على رسالة د. عابد السفياني (الثبات والشمول في الشريعة الاسلامية) وقال أن موضوعات هذه الرسالة هي من جنس ما تناولته المقدمة لكن بإسهاب وأنها في سياق مشابه ومتكامل معها، وكان يثني على صاحب الرسالة خيرا ويحبه كثيرا، فقد كان يحب كل من يدفع في الاتجاه الصحيح ويضيف إضافة علمية ويشجع على هذا وينصح إخوانه بقراءة هذا الانتاج الطيب.

([2]) مقدمة كتاب حد الاسلام ص 5.