أهـداف الحـركة وغـايـاتهـا

أولاً: تصحيح المفاهيم.             

ثانيًـا: إحياء الأمة.

ثالثًـا: فتح الملفات:

· لإزالة الألغام من أمام العمل الإسلامي وحل المغاليق الاستراتيجية حتى لا تكون حركته في طريق مسدود أو حركة في المحل لا تستهدف أهدافًا وغايات استراتيجية ممكنة التحقيق.

·     اكتساب الخبرة ومعايشة الأحداث. 

رابعًـا: اجتياز الهوة الحضارية علميًا وتقنيًا وإداريًا واقتصاديًا واستراتيجيًا... إلخ. على جميع الأصعدة.

خامسًـا: الخروج بالأمة من هيمنة الأنظمة العلمانية.

سادسًـا: إيجاد المشروع الحضاري الإسلامي والخروج بالإسلام دوليًا من هيمنة الصليبية الدولية والصهيونية الدولية.

سابعًـا: العودة إلى الإسلام الصحيح كشرعيات مستقرة  ـ  وليس كشرعيات ضرورة ـ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

ونشير هنا باختصار إلى الانحراف والخلل التاريخي في المفاهيم والتوجهات الإسلامية تاريخيًا في مجال التوحيد والعقيدة وأنظمة وسياسات الحكم، وإلى ضرورة تصحيح هذه المفاهيم والتوجهات في واقعنا هذا المعاصر وهو أحد أهداف حركة الإحياء والبعث الإسلامي المعاصرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن الخلل والانحراف في مفاهيم العقيدة وأنظمة وسياسات الحكم([1]): «ومن أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين فإنهم يناظرونهم ويحاجونهم بغير الحق والعدل لينصروا الإسلام ـ زعموا بذلك ـ فيسقط عليهم أولئك لما فيهم من الجهل والظلم ويحاجونهم بممانعات ومعارضات فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول والظلم والعدوان لإخوانهم المؤمنين بما استظهر عليهم أولئك المشركون فصار قولهم مشتملاً على إيمان وكفر وهدى وضلال ورشد وغيّ وجمعٌ بين النقيضين وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين كالذين يقاتلون الكفار والمؤمنين. ومثلهم في ذلك مثل من فرَّط في طاعة الله وطاعة رسوله من ملوك النواحي والأطراف حتى يسلط عليهم العدو تحقيقًا لقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا( ([2])،يقاتلون العدو قتالاً مشتملاً على معصية الله من الغدر والمثلة والغلول والعدوان حتى احتاجوا في مقاتلة ذلك العدو إلى العدوان على إخوانهم المؤمنين والاستيلاء على نفوسهم وأموالهم وبلادهم وصاروا يقاتلون إخوانهم المؤمنين بنوع مما كانوا يقاتلون به المشركين وربما رأوا قتال المسلمين آكد. وبهذا وصف النبيُّ صلي الله عليه وسلم الخوارج حيث قال: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» وهذا موجود في سيرة كثير من ملوك الأعاجم وغيرهم وكثير من أهل البدع وأهل الفجور. فحال أهل الأيدي والقتال يشبه حال أهل الألسنة والجدال». أهـ.

ويقـول عن الخلل في مفهوم التوحيد عند طوائف المتكلمين والصوفية  ـ ممن تصدوا للتوجيه الإسلامي منذ قرون طويلة ومازالت لهم السيطرة على التوجيـه الديني حتى الآن ـ يقـول: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم، فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضًا سمُّوا أنفسهم أهل التوحيد.

إلى أن يقول: وطائفة ظنُّوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خالقُ كلِّ شيءٍ. إلى أن يقول: وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله بل لابد أن يُخلص لله الدين والعبادة فلا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه كله لله. والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد.

إلى أن يقول: ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريقة أهل التصوف ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ لشمول القدرة لكل مخلوق وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين الذين عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوا رسله.

ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه وبين ما أمر به وأوجبه من الإيمان والأعمال الصالحات وبين ما كرهه ونهى عنه وأبغضه من الكفر والفسوق والعصيان مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء وإلا وقع في دين المشركين الذين قالوا: ( لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء )([3])،والقدر يؤمَن به ولا يُحتجُّ به بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب.

إلى أن يقول: ثمَّ إنَّ أولئك المبتدعين الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهؤلاء الذين أخرجوا عنـه متابعة الأمر([4])ـ إذا حققوا القولين انتهى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق بل يقولون بوحدة الوجود، كما قاله أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والإتحاد الذين يعظمون الأصنام وعابديها وفرعون وهامان وقومهما ويجعلون وجود خالق السموات والأرض هو وجود كل شيء من الموجودات ويدعون التوحيد والتحقيق والعرفان وهم من أعظم أهل الشرك والتلبيس والبهتان يقول عارفهم ـ السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية ـ أي: نظرًا إلى الأمر ـ ثم يرى طاعة بلا معصية ـ أي نظرًا إلى القدر ـ ثم لا طاعة ولا معصية ـ أي نظرًا أن الوجود واحد.

إلى أن يقول: ومن أحكم الأصلين في الصفات والخلق والأمر فيميز بين المأثور المحبوب المرضي لله وبين غيره مع شمول القدر لهما وأثبت للخالق سبحانه الصفات التي توجب مباينته للمخلوقات وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته أثبت التوحيد الذي بعث اللهُ به رسله وأنزل كتبه كما نبَّه على ذلك في سورتي الإخلاص: ”قل هو الله أحد“ و”قل يا أيها الكافرون“.

إلى أن يقول: وسورة ”قل هو الله أحد“: فيها التوحيد القولي العلمي الذي تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4} ) ([5])، وسورة ”قل يا أيها الكافرون“: فيها التوحيد القصدي العملي كما قال تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(([6])، وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كل واحد منهما يقر بأن الله ربّ كل شيء ومليكه ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه ممن عبدوا غيره وأشركوا به أو نظروا إلى القدر الشامل في كل شيء فسووا بين المؤمنين والكفار كما يفعل المشركون من العرب ولهذا قال النبيُّ صلي الله عليه وسلم: «إنها براءة من الشرك».

ويقول شيخ الإسلام([7]): «والإله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه ربّ كل شيء وخالقه وهو مع هذا يعبد غيره فإنه مشرك بربِّه متخذ من دونه إلهًا آخر، فليست الإلهية هي: الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربّه، فلو كان هذا هو الإلهية لكانوا قائلين: أنه لا إله إلا هو. فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته لما قد لُبس على طوائف من الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا، وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنُّوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنُّوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لابد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد وهو توحيد العبادة وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه وهذا هو الإسلام فإن الإسلام يتضمن أصلين: أحدهما: الاستسلام لله. والثاني: أن يكون ذلك له سالمًا فلا يشركه أحد في الإسلام له، وهذا هو الاستسلام لله دون ما سواه.

وسورة ”قل يا أيها الكافرون“: تفسر ذلك ولا ريب أن العمل والقصد مسبوق بالعلم، فلابد أن يعلم ويشهد أن لا إله إلا الله. وأما التوحيد القولي الذي هو الخبر عن الله ففي ”سورة الإخلاص“، التي تعدل ثلث القرآن وفيها اسمه الأحد الصمد، وكل من هذين الاسمين يدل على نقيض مذهب هؤلاء الجهمية». أهـ.

 

ويقول شيخ الإسلام عن الانحراف في مفهوم أصل الإيمان في الرد على من يقيد سب رسول الله صلي الله عليه وسلم بالاستحلال ليأخذ حكم الكفر(8): «ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن حذا حذوهم من الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السبّ والشتم بالذات كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته، فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه كما يترك ما يعتقد وجوب فعله ويفعل ما يعتقد وجوب تركه، ثم رأوا أن الأمة قد كَفَّرَت السابَّ فقالوا: إنَّما كفر لأن سبَّه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام واعتقاد حله تكذيبٌ للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة وإنما الإهانة دليل على التكذيب فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس الأمر مؤمنًا وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم وهم الذين يقولون: الإيمان هو الاعتقاد والقول، وغلاتهم وهم الكرامية الذين يقولون: مجرد القول وإن عرى عن الاعتقاد. وأما الجهمية الذين يقولون: هو مجرد المعرفة والتصديق بالقلب فقط وإن لم يتكلم بلسانه، فلهم مأخذ آخر وهو أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن كما لا ينفع المنافق إظهار خلاف ما في قلبه في الباطن.

إلى أن يقول: في جواب هذه الشبهة: الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر. وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المُخْبِر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو: الطمأنينة والإقرار، فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد.

إلى أن يقول: وهذا موضع زاغ فيه خلقٌ من الخلف، تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر، فيتحيرون ولو أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قولٌ وعملٌ أعني في الأصل قولاً في القلب وعملاً في القلب.

إلى أن يقول: فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالاً في القلب بحسب المُصَدَّقِّ به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا. فالكفر أعمّ من التكذيب يكون تكذيبًا وجهلاً ويكون استكبارًا وظلمًا.

إلى أن يقول: ألا ترى أن من صدَّق الرسولَ بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا فإنه يحتاج إلى مقام ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، وأشهد أن محمدًا رسول الله تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظنَّ مَنْ ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد وإلا فقد يصدق الرسول ظاهرًا وباطنًا ثم يمتنع من الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى كإبليس، وهذا مما يُبين لك أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له، لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذِّب له أو ممتنع عن الانقياد لربِّه وكلاهما كفرٌ صريحٌ. ومن استخفَّ به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادًا لأمره فإن الانقياد إجلال وإكرام، والاستخفاف إهانة وإذلال وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد». انتهى كلام شيخ الإسلام.

أقـول: قد مرَّ أن أصل الإيمان الذي هو أول ما يجب على المُكَلَّف وبه تقبل وتصح الأعمال وهو: إذعان لحكم المُخْبِر وقبوله حيث يقع عليه اسم التسليم. والإسلام هو: الانقياد والخضوع ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان. فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما يتحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح. وما يتحد فيه المفهومان هو: إذعان لحكم المُخْبِر وقبوله ظاهرًا وباطنًا.

وقد مرَّ أن الإيمان يُعرف: بحقيقته، ويُعرف بمتعلقاته، ويُعرف بهما معًا. وأن الإسلام كذلك يُعرف: بحقيقته، ويُعرف بمتعلقاته، ويُعرف بهما معًا. وأن حقيقة الإيمان هي حقيقة الإسلام، وهي: توحيد الإلهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية، وأن التوحيد توحيدان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الألوهية.

وأن الشرك نوعان: شرك في الاعتقاد، وشرك في العبادة.

وتوحيد العبادة لا بد فيه من: إفراد الله سبحانه وتعالى بالحكم تحقيقًا لعبودية الله بقبول شرعه ورفض ما سواه، وإفراد الله عزَّ وجلّ بالولاء، وإفراد الله تبارك وتعالى بالنسك.

وإن شرك العبادة أربعة: شرك الطاعة وهو: شرك الحاكمية، وشرك المحبة وهو: الشرك في الولاء، وشرك الدعوة وهو: شرك النسك، وشرك الإرادة وهو: النفاق، وهذا كله من الشرك الأعظم.

وأقـول تعليقًا على ما ذكره شيخ الإسلام من الانحراف والخلل في مفاهيم العقيدة عند أهل الألسنة والجدال ومفاهيم السياسة والحكم عند أهل الأيدي والقتال، أقـول: صدق ابن المبارك إذ يقول:

وهل أفسد الدين إلا الملوك      وأحبــــار سوء ورهبانها؟!

ومن يقرأ جيدًا تاريخ الإسلام يدرك أن الخلل في أنظمة الحكم أفسد القوة الاجتماعية للمسلمين، وأن الخلل في مفاهيم العقيدة أفسد القوة الإلتزامية للمسلمين، وإذا فسدت قوة الإلتزام وقوة الاجتماع بالافتراق الدنيوي والافتراق الديني هوى كيان الأمة ودخلت في أطوار الانحلال والانحدار والتفكك ولا أمل في إصلاح حال المسلمين إلا بالخروج من شرعيات الضرورة التي استمرت عشرة قرون في سياسات الملك وأوضاع السلطة وأنظمة الحكم إلى شرعية الاستقرار، وهذا ضروري لإصلاح وضع الأمراء أهل الأيدي والقتال، والعودة إلى مفاهيم العقيدة والتوجهات الإسلامية الصحيحة كما كان عليه السلف الصالح في حركة العلماء. ومن يدرك هذا يفهم ما جاء في معنى حديث الرسول صلي الله عليه وسلم أن ذهاب ملك أمته على يد بني قنطوراء. وبنو قنطوراء هم الترك الذين صار إليهم أمر الشوكة في الإسلام من القرن الثالث الهجري حتى سقوط الخلافة العثمانية.

جاء في ”أطلس تاريخ الإسلام“ عن ملوك الترك والأعاجم: «وقد مررنا في دراستنا بدول عظيمة بدأت بدايات جليلة كالسامانيين والغزنويين والأيوبيين والأتراك العثمانيين ولكنها كلها كانت ثقيلة اليد على الناس شديدة الطمع في أموالهم قليلة الاهتمام بدمائهم ولهذا توقف معظمها بعد سير قليل وتحولت إلى استبداديات صغيرة يتحارب أفرادها على الملك لأنه كان الوسيلة الكبرى لكسب المال»، وهكذا كان ملوك الأعاجم والترك الذين حموا الإسلام من الخارج هم الذين استنفذوا قوة مجتمعاته من الداخل إلى أن نفذت كل قدرة على العطاء ووقفت هذه المجتمعات جامدة أو تدهورت في بنائها الداخلي من حيث نظم الحكم والإدارة والاجتماع والاقتصاد والعمران، والحاجة الآن ماسة للخروج من شرعية الضرورة ـ علماء وأمراء ـ والتي استمرت عشرة قرون إلى شرعية الاستقرار وذلك بالعودة إلى الأصول في كل شيء وبلا استثناء لإقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة بعد كل ما أصاب الأمة من بني قنطوراء ومن هم على شاكلتهم.

وأقـول: لابد لحركـة الإحيـاء والبعث الإسلامي الآن من التصحيح في أربعـة مجـالات:

·   أولاً: مجال العقيـدة والتوحيـد. ويترتب عليه:

1- تحقيق النجاة الأخروية من الشرك الأعظم لمن أراد الله له النجاة.

2- إسقاط شرعية الأنظمة العلمانية.

3- إسقاط شرعية الافتراق الديني.

·   ثانيًـا: مجال مشاركة الأمة. ويترتب عليه:

1-  احترام أكبر لحقوق الإنسان.

2-  إفساح مجال أو مساحة أكبر للنمو لشخصية الفرد العادي.

3- التخلي عن أساليب القولبة والتلقين والتحول من روح القطيع إلى روح الفريق لتحقيق استقلالية شخصية الفرد مع قوة وعمق ارتباطه بالجماعة.

4- تعميق مشاركة الأمة في التغيير وفي السلطة بعد التمكين من خلال عمل أهل الحل والعقد وأهل النظر والاجتهاد لتحقيق الشورى الملزمة والحسبة والاختيار و العزل وإرجاع الاجتهاد إلى شورى العلماء والاستفادة من دور الصفوة الراشدة في ملء الفراغ السياسي وتحقيق التلاحم والترابط بين السلطة والجماهير لإبعاد كل صور الاغتراب وفقدان الانتماء.

5- إسقاط شرعية الافتراق الدنيوي.

·ثالثًـا: مجال التوازن في الخطاب الديني بين العقل والوجدان لتحقيق قوة الشعور الديني لدي الجماهير من الأمة مع قوة البصيرة الدينية لرفض العلمانية والقومية وفصل الدين عن الدولة والإباحية والتبعية لمعسكرات الشرك الدولية من الصليبية والصهيونية وولاء الكافرين عمومًا.

·رابعًـا: ضرورة المحافظة على الهدف والثبات على المبدأ مع أوضاع التكيُّف مع الواقع والتحرك من خلال الفرص المتاحة وهذا يترتب عليه إبراز الهوية الإسلامية وتجريدها من الالتباسات لتجتمع عليها الأمة ويتحقق من خلال ذلك التمكين إن شاء الله.

([1]) الرسالة التسعينية، الفتاوى الكبرى، جـ5، ص 38.

([2]) سورة آل عمران،الآية: 155.

([3]) سورة النحل،الآية: 35.

([4]) الإتباع.

([5]) سورة الإخلاص.

([6]) سورة الكافرون، الآيتان: 1-2.

([7]) الرسالة التسعينية، الفتاوى الكبرى، جـ5، ص250-251.

([8]) الصارم المسلول، ص 456